انطلقت اليوم (الأربعاء) جولة جديدة من المفاوضات الحساسة بين وفود من أوكرانيا وروسيا، بوساطة مباشرة من الولايات المتحدة الأمريكية، في محاولة حثيثة لدفع الجهود الرامية إلى وضع حد للصراع المدمر الذي تشهده المنطقة. هذه الجولة، التي تأتي في سياق دولي معقد، تُعقد على مدار يومين وتُعد محاولة جديدة لإيجاد أرضية مشتركة بين الأطراف المتحاربة.
تأتي هذه الاجتماعات الثلاثية بعد تصريحات حادة من الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي اتهم روسيا باستغلال هدنة سابقة لوقف الهجمات على البنية التحتية للطاقة، والتي كانت برعاية أمريكية الأسبوع الماضي، لتكديس الذخيرة. وأشار زيلينسكي إلى أن روسيا شنت بعد ذلك هجمات صاروخية باليستية قياسية على أوكرانيا، مما يزيد من تعقيد أجواء المفاوضات ويبرز عمق انعدام الثقة بين الجانبين.
وأكد كبير المفاوضين الأوكرانيين، رستم أوميروف، عبر تطبيق تلغرام، أن “جولة جديدة من المفاوضات بصيغة ثلاثية بمشاركة أوكرانيا والولايات المتحدة وروسيا” قد بدأت. وأوضح أوميروف أن الأطراف ستعقد اجتماعات منفصلة لمناقشة مسارات تفاوضية محددة، قبل أن تجتمع لاحقاً في جلسة مشتركة لتنسيق المواقف، مما يشير إلى منهجية دقيقة ومحاولة لبناء الثقة تدريجياً.
من جانبه، أعلن المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، أن موسكو لا تعتزم تقديم أي معلومات فورية عقب هذه المشاورات. وقال في مؤتمر صحفي: “لا داعي لتوقع أي بيانات في الوقت الراهن، لا نعتزم تقديم أي معلومات”، وهو ما يعكس حذر الكرملين ورغبته في الحفاظ على سرية المداولات، أو ربما عدم وجود تقدم ملموس يستدعي الإعلان عنه في هذه المرحلة المبكرة.
خلفية تاريخية للصراع وجهود السلام المتعثرة
لفهم أهمية هذه المفاوضات، يجب العودة إلى الجذور المعقدة للصراع. بدأت التوترات تتصاعد بشكل كبير في عام 2014 مع ضم روسيا لشبه جزيرة القرم ودعمها للانفصاليين في منطقة دونباس الشرقية بأوكرانيا، مما أدى إلى صراع استمر لسنوات. تصاعدت هذه الأزمة بشكل دراماتيكي مع الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022، والذي قلب موازين الأمن الأوروبي وأحدث صدمة عالمية. منذ ذلك الحين، شهدت أوكرانيا دماراً واسع النطاق، ونزوح ملايين المدنيين، وخسائر بشرية فادحة، وتدميراً ممنهجاً لبنيتها التحتية الحيوية.
سبقت هذه الجولة مفاوضات أمنية ثلاثية أولى عُقدت يومي 23 و24 يناير، والتي مثلت أول مفاوضات علنية مباشرة بين موسكو وكييف منذ فترة طويلة. ترأس الفريق التفاوضي الروسي حينها رئيس إدارة الأركان العامة في القوات المسلحة الروسية إيغور كوستيوكوف، بينما ترأس الوفد الأوكراني سكرتير مجلس الأمن القومي والدفاع رستم أوميروف. ورغم جولات عديدة من المحادثات الثنائية والمتعددة الأطراف، بما في ذلك جهود وساطة سابقة، إلا أن الطرفين ظلا بعيدين عن التوصل إلى توافق حول القضايا الجوهرية، مما يبرز حجم التحدي الذي يواجه هذه الجولة الجديدة.
القضايا الشائكة وتأثيرها المحتمل
تتركز المفاوضات حول عدد من القضايا الأكثر حساسية وتعقيداً. من بينها، مطالب موسكو بأن تتخلى كييف عن الأراضي التي لا تزال تحت سيطرتها، والتي تعتبرها روسيا جزءاً من أراضيها بعد ضمها غير القانوني. كما يبرز مصير محطة زابوريجيا للطاقة النووية، وهي أكبر محطة في أوروبا وتقع حالياً في منطقة تحتلها روسيا، كقضية بالغة الأهمية نظراً لمخاطرها البيئية والأمنية المحتملة. وتطالب موسكو أيضاً بانسحاب القوات الأوكرانية من جميع أنحاء منطقة دونيتسك في شرق البلاد، بما في ذلك حزام المدن شديدة التحصين التي تعد أحد أقوى خطوط الدفاع الأوكرانية، كشرط مسبق لأي اتفاق سلام.
في المقابل، تشدد أوكرانيا على موقفها الرافض لأي تنازل عن سيادتها أو أراضيها، وتطالب بتجميد الصراع على خطوط الجبهة الحالية، وترفض أي انسحاب أحادي الجانب لقواتها. تحتل روسيا حالياً نحو 20% من الأراضي الأوكرانية، بما في ذلك شبه جزيرة القرم وأجزاء من منطقة دونباس الشرقية التي استولت عليها قبل غزو 2022. هذا التباين الجذري في المواقف يجعل التوصل إلى حل وسط أمراً بالغ الصعوبة.
الأهمية والتأثيرات المتوقعة للمفاوضات
تكتسب هذه الجولة من المفاوضات أهمية بالغة على مستويات متعددة. محلياً، تمثل هذه المحادثات بصيص أمل للملايين من الأوكرانيين الذين يعيشون تحت وطأة الحرب، وتأمل في وقف إطلاق النار وتخفيف المعاناة الإنسانية وإعادة بناء ما دمرته الحرب. أي تقدم نحو السلام يمكن أن يفتح الباب أمام عودة اللاجئين والنازحين وإعادة إعمار البلاد.
إقليمياً، يمكن أن تؤثر نتائج هذه المفاوضات بشكل كبير على الاستقرار في أوروبا. فالصراع الأوكراني أثر على أسواق الطاقة، وأثار مخاوف أمنية عميقة، وأدى إلى تدفقات هائلة من اللاجئين. إن التوصل إلى حل يمكن أن يساهم في استقرار أسعار الطاقة، وتخفيف الضغط على الدول الأوروبية، وإعادة رسم خريطة الأمن الإقليمي.
دولياً، تحمل هذه المفاوضات تداعيات أوسع نطاقاً على النظام العالمي. فهي تختبر مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالسيادة ووحدة الأراضي، وتؤثر على العلاقات بين القوى الكبرى، وتلقي بظلالها على قضايا مثل الأمن الغذائي العالمي (بسبب تأثير الحرب على صادرات الحبوب) وأسواق الطاقة. إن مشاركة الولايات المتحدة المباشرة في هذه الجولة تضفي عليها ثقلاً دبلوماسياً إضافياً، وتؤكد على الأهمية التي توليها واشنطن لإنهاء هذا الصراع.
على الرغم من التحديات الهائلة وانعدام الثقة العميق، فإن استمرار الحوار، حتى لو كان بطيئاً ومتقطعاً، يظل ضرورياً. فكل جولة مفاوضات، مهما كانت صعبة، تمثل فرصة لتقريب وجهات النظر، أو على الأقل لتجنب المزيد من التصعيد. يبقى العالم يترقب بحذر ما ستسفر عنه هذه الجولة، آملاً في أن تفتح الطريق نحو سلام مستدام في أوكرانيا.


