حذرت روسيا الولايات المتحدة من رد عسكري وشيك حال مضيها قدماً في نشر أنظمة دفاع صاروخي متقدمة في جزيرة غرينلاند الاستراتيجية. جاء هذا التحذير على لسان نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، الذي أكد استعداد بلاده لعالم خالٍ من قيود الأسلحة النووية بعد انتهاء معاهدة «نيو ستارت» الحيوية هذا الأسبوع، مما يشير إلى مرحلة جديدة من التوتر الجيوسياسي وتصاعد سباق التسلح المحتمل.
وفي تصريحاته، أوضح ريابكوف أن نشر الولايات المتحدة لعدد كبير من أنظمة الدفاع الصاروخي في غرينلاند سيجبر روسيا على اتخاذ “تدابير تعويضية في المجال العسكري”. وربط المسؤول الروسي استئناف الحوار حول الاستقرار الاستراتيجي بضرورة حدوث “تغيير للأفضل في نهج الولايات المتحدة تجاه العلاقات مع روسيا”، مما يعكس عمق التوتر القائم بين القوتين النوويتين. كما أشار إلى موقف الصين الواضح بشأن السيطرة على الأسلحة، مؤكداً احترام روسيا لهذا الموقف، وتبادل الاحترام مع بكين بشأن مواقف موسكو.
تأتي هذه التطورات في ظل اقتراب انتهاء معاهدة «نيو ستارت» (New START)، وهي آخر اتفاقية رئيسية للحد من الأسلحة النووية بين الولايات المتحدة وروسيا. وُقعت المعاهدة في عام 2010 ودخلت حيز التنفيذ في عام 2011، وكانت تهدف إلى الحد من عدد الرؤوس الحربية النووية الاستراتيجية المنشورة والقنابل التي يمكن لكل بلد امتلاكها. يمثل انتهاؤها المحتمل، دون تجديد أو اتفاق بديل، إزالة جميع القيود القابلة للتحقق على أكبر ترسانتين نوويتين في العالم، مما يثير مخاوف جدية من سباق تسلح نووي جديد وتدهور الاستقرار العالمي. لطالما كانت هذه المعاهدة، وسابقاتها مثل START I، حجر الزاوية في جهود الحفاظ على التوازن الاستراتيجي بين القوتين.
تتمتع جزيرة غرينلاند، وهي إقليم يتمتع بالحكم الذاتي تابع للدنمارك، بأهمية استراتيجية هائلة، خاصة في منطقة القطب الشمالي. خلال الحرب الباردة، كانت غرينلاند نقطة حاسمة لأنظمة الإنذار المبكر ضد أي هجمات سوفيتية محتملة. وتعد قاعدة ثول الجوية الأمريكية، وهي منشأة عسكرية أمريكية رئيسية، تعمل منذ الخمسينيات، وتستضيف مرافق رادار ومراقبة فضائية حيوية للدفاع الصاروخي. موقعها الشاسع، ذو الكثافة السكانية المنخفضة، وقربها من ممرات الشحن القطبية الشمالية ومسارات الصواريخ المحتملة، يجعلها أصلاً استراتيجياً مرغوباً للغاية في أي سيناريو دفاعي أو هجومي.
في السنوات الأخيرة، اكتسبت منطقة القطب الشمالي أهمية جيوسياسية متجددة بسبب تغير المناخ الذي يفتح ممرات ملاحية جديدة ويسهل الوصول إلى موارد طبيعية غير مستغلة. وقد أدى ذلك إلى زيادة المنافسة بين القوى العالمية، بما في ذلك روسيا والصين والولايات المتحدة. إن الاهتمام الأمريكي بغرينلاند، والذي أبرزه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بمقترحاته المثيرة للجدل لشراء الجزيرة، يؤكد أهميتها الأمنية القومية المتصورة، لا سيما فيما يتعلق بالتهديدات المحتملة من روسيا والصين. ورغم رفض الدنمارك لهذه المقترحات، إلا أنها سلطت الضوء على الدور الاستراتيجي لغرينلاند على الساحة الدولية.
يعكس التحذير الروسي، الذي نقله ريابكوف، مخاوف موسكو العميقة بشأن توسع قدرات الدفاع الصاروخي الأمريكية، والتي تعتبرها تهديداً مباشراً لردعها الاستراتيجي. لطالما جادلت روسيا بأن مثل هذه الأنظمة يمكن أن تقوض توازن القوى العالمي وربما تشجع على سيناريو الضربة الأولى. تتسم العلاقات الحالية بين الولايات المتحدة وروسيا بانعدام الثقة العميق، والخلافات حول قضايا جيوسياسية مختلفة (مثل أوكرانيا وسوريا والحرب السيبرانية)، وانهيار أطر الحد من التسلح القائمة. ويبرز إصرار ريابكوف على تحسين النهج الأمريكي قبل استئناف الحوار حول الاستقرار الاستراتيجي التحديات العميقة في العلاقات الثنائية.
كما دعا المسؤول الروسي فرنسا وبريطانيا إلى الانضمام إلى مفاوضات السيطرة على الأسلحة لجعلها متعددة الأطراف، في إشارة إلى رغبة روسيا في توسيع نطاق هذه المناقشات لتتجاوز الولايات المتحدة وروسيا فقط. تعترف هذه الخطوة بالترسانات النووية المتنامية للقوى الأخرى والحاجة إلى نهج أكثر شمولاً للحد من التسلح العالمي. وقد قاومت الصين، على الرغم من امتلاكها ترسانة أصغر من الولايات المتحدة وروسيا، باستمرار الانضمام إلى المحادثات الثلاثية، مستشهدة بالتفاوت الكبير في القدرات النووية. ويضيف احترام روسيا لموقف الصين، مع حث القوى الأوروبية على الانضمام، طبقة أخرى من التعقيد لجهود الحد من التسلح المستقبلية.
إن النشر المحتمل لأنظمة دفاع صاروخي متقدمة في غرينلاند، إلى جانب انتهاء معاهدة «نيو ستارت» الوشيك، يمكن أن يؤدي إلى مرحلة جديدة وخطيرة في سباق التسلح العالمي. لن يؤدي مثل هذا التطور إلى تصعيد التوترات بين واشنطن وموسكو فحسب، بل سيساهم أيضاً في عسكرة القطب الشمالي، وهي منطقة تزداد أهميتها للتجارة العالمية واستخراج الموارد. بالنسبة للدنمارك وغرينلاند، يضع هذا الوضع الدولتين في موقف جيوسياسي دقيق، محصورتين بين الطموحات الاستراتيجية للقوى الكبرى. ويواجه المجتمع الدولي تحدياً يتمثل في منع الانهيار الكامل لهندسة الحد من التسلح وإدارة المنافسة المتصاعدة في المناطق الحساسة استراتيجياً مثل القطب الشمالي.


