في ظل تصاعد التوترات الأمنية والقصف المستمر في محيط المنشآت الحساسة، تتجه الأنظار نحو محطة بوشهر النووية الإيرانية. فقد حذر أليكسي ليخاتشوف، رئيس مؤسسة «روس آتوم» الحكومية الروسية للطاقة النووية، من خطورة الوضع الراهن، مؤكداً أن الأحداث تتطور وفق أسوأ الاحتمالات. وأوضح ليخاتشوف في بيان رسمي أن الأوضاع تتجه نحو التدهور السريع، مما استدعى اتخاذ قرارات حاسمة لضمان سلامة الكوادر العاملة في الموقع وتجنب أي كوارث محتملة.
تفاصيل الضربة وعمليات الإجلاء من محطة بوشهر النووية
أكدت التقارير الرسمية أن ضربة استهدفت منطقة قريبة من وحدة طاقة عاملة في المحطة عند الساعة 18:00 بتوقيت غرينتش يوم الثلاثاء. ورغم أن القذيفة لم تسفر عن خسائر بشرية أو أضرار مادية مباشرة بالمنشأة، إلا أنها دقت ناقوس الخطر. وفي هذا السياق، أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن طهران أبلغتها بالحادثة، مؤكدة أن الأوضاع التشغيلية لا تزال طبيعية حتى اللحظة.
واستجابة لهذه التطورات، بدأت المرحلة الثالثة من عملية إجلاء الموظفين الروس. وقد غادرت مجموعة أولى براً باتجاه الحدود الإيرانية الأرمينية صباح الأربعاء، مع التخطيط لمغادرة مجموعتين إضافيتين قريباً. وكانت موسكو قد أجلت مسبقاً نحو 150 موظفاً، في حين أبقت على حوالي 480 آخرين لتسيير أعمال المفاعل بشكل مؤقت، حيث تسعى «روس آتوم» لتقليص العدد إلى الحد الأدنى المؤقت حتى استقرار الأوضاع الأمنية.
السياق التاريخي لتأسيس المنشأة الإيرانية
لفهم أبعاد هذا الحدث، يجب النظر إلى الخلفية التاريخية لهذه المنشأة الحيوية. تعود جذور بناء المفاعل إلى سبعينات القرن الماضي، قبل أن تتولى روسيا استكمال المشروع لاحقاً. بدأ تشغيل المفاعل فعلياً في مايو 2011، وتم ربطه بالشبكة الكهربائية الوطنية في سبتمبر من العام ذاته، ليدخل الخدمة التجارية رسمياً في سبتمبر 2013. تهدف المنشأة إلى إنتاج 23 ألف ميغاواط من الكهرباء، وتعتمد في تشغيلها على خبرات مشتركة، حيث يعمل عادة بين 450 و600 موظف روسي يشرفون على التشغيل والصيانة، جنباً إلى جنب مع مهندسين إيرانيين تلقوا تدريباتهم في مراكز روسية متخصصة.
الأهمية الاستراتيجية والتأثيرات المحتملة للأزمة
تُعد هذه المنشأة مفاعلاً مدنياً خاضعاً بالكامل لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وبخلاف منشآت أخرى مثل نطنز وفوردو، لا يُجرى هنا أي عمليات تخصيب لليورانيوم. تعتمد المنشأة على وقود منخفض التخصيب (لا يتجاوز 3.67%) تورده روسيا، والتي تستعيد بدورها الوقود المستنفد لإعادة معالجته، وهو ترتيب دولي صُمم خصيصاً لتقليل مخاطر الانتشار النووي.
إن أي تهديد يطال هذه المنشأة يحمل تداعيات بالغة الأهمية على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، قد يؤدي تعطل المحطة أو إيقافها الاضطراري إلى أزمة في إمدادات الطاقة الكهربائية في إيران. وإقليمياً، يثير استهداف محيط المنشآت النووية مخاوف بيئية وأمنية واسعة النطاق، حيث أن أي حادث عرضي أو تسرب إشعاعي محتمل لن يعترف بالحدود الجغرافية، وسيشكل تهديداً مباشراً لسلامة مياه الخليج والدول المجاورة. أما على الصعيد الدولي، فإن هذا التصعيد يضع المجتمع الدولي والوكالة الدولية للطاقة الذرية أمام تحدٍ غير مسبوق لضمان أمن المنشآت النووية في مناطق النزاع، مما يستوجب تحركات دبلوماسية عاجلة لمنع انزلاق المنطقة نحو أزمة نووية وبيئية معقدة.


