
في خضم التحولات الكبرى التي يشهدها قطاع التعليم في المملكة العربية السعودية، يبرز اسم الدكتور سعد بن عواض الحربي كقائد تكنوقراطي يجمع بين الرؤية الأكاديمية العميقة والخبرة الميدانية العملية. إن تعيينه في مناصب قيادية عليا بوزارة التعليم لا يمثل مجرد تغيير إداري، بل هو تجسيد لتوجه استراتيجي يهدف إلى تمكين الكفاءات التي نشأت في قلب النظام التعليمي وتدرك تحدياته وفرصه، والمعروفة بكونها «ابن الميدان».
بدأ الدكتور الحربي مسيرته الأكاديمية من الجامعة الإسلامية، حيث نال درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى في تخصص أصول الفقه. هذا التخصص منحه منهجية تحليلية دقيقة وقدرة فريدة على هيكلة الأفكار وحل المشكلات، وهي مهارات انعكست بوضوح على أسلوبه الإداري المنظم. ولم يكتفِ بالجانب النظري، بل حرص على صقله بدبلوم تربوي مكثف، ليقيم جسراً متيناً بين المحتوى العلمي المتقدم وأساليب توصيله بفعالية إلى عقول الطلاب.
السياق العام: التعليم كركيزة أساسية في رؤية 2030
يأتي صعود شخصيات مثل الدكتور الحربي في سياق تاريخي حاسم للمملكة، حيث تمثل رؤية 2030 خارطة طريق لتحول اقتصادي واجتماعي شامل. ويُعد «برنامج تنمية القدرات البشرية» أحد أهم ركائز هذه الرؤية، والذي يهدف إلى إعداد مواطن منافس عالمياً من خلال نظام تعليمي متطور. يتجاوز هذا البرنامج مفهوم التعليم التقليدي القائم على التلقين، ليركز على بناء مهارات القرن الحادي والعشرين مثل التفكير النقدي، والإبداع، وحل المشكلات، والمهارات الرقمية، وهي المهارات التي يتطلبها سوق العمل المستقبلي.
مسيرة حافلة بالإنجازات في قلب الوزارة
ما يميز مسيرة الدكتور سعد هو أنه «ابن الوزارة» الذي تدرج في مناصبها الحيوية، مكتسباً فهماً شاملاً لجميع جوانبها. فقد تولى ملف رياض الأطفال والطفولة المبكرة، وهو قطاع استراتيجي تراهن عليه الرؤية لرفع نسبة الالتحاق بالتعليم المبكر وتأسيس جيل واعد. كما ارتبط اسمه بتنمية المواهب ورعايتها، حيث قاد كوكيل لتنمية قدرات الطلاب «أولمبياد الإبداع الوطني»، وكان له دور بارز في الإشراف على مشاركات طلاب المملكة في المحافل الدولية المرموقة مثل معرض «آيسف» الدولي للعلوم والهندسة، محققين إنجازات عالمية عكست إيمانه الراسخ بأن الطالب السعودي يمتلك مقومات الإبداع متى ما وجد البيئة الداعمة.
الأهمية والتأثير المتوقع: من المحلية إلى العالمية
إن قيادة الدكتور الحربي لملفات حيوية في التعليم تحمل تأثيراً متعدد الأبعاد. محلياً، من المتوقع أن تركز جهوده على تمكين المعلم، باعتباره حجر الزاوية في أي إصلاح تعليمي، وتطوير أدوات قياس دقيقة لتقييم نواتج التعلم المعرفية والمهارية للطلاب. هذا التحول سيساهم في سد الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل السعودي المتجدد، مما يدعم جهود التوطين ويعزز الإنتاجية. إقليمياً، يعزز تطوير نظام التعليم مكانة المملكة كقائدة في المنطقة، ويجعلها نموذجاً يحتذى به في مجال الإصلاح التعليمي. أما دولياً، فإن تخريج أجيال مزودة بمهارات عالمية يرفع من القدرة التنافسية للمملكة على الساحة الدولية ويجعلها وجهة جاذبة للاستثمارات والكفاءات العالمية. في منصبه الجديد، يُنتظر من الحربي أن يقود ثورة حقيقية في «نواتج التعلم»، محولاً التعليم من عملية نقل معلومات إلى صناعة إنسان قادر على الابتكار والمنافسة وقيادة المستقبل.


