في الذكرى الحادية والعشرين لاغتيال والده، رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، أطلق رئيس الوزراء السابق سعد الحريري سلسلة مواقف سياسية حاسمة، رسم من خلالها ملامح المرحلة السياسية القادمة وحدود مشروعه، مؤكداً أن هذا النهج “كان وسيبقى داعماً لكل تقارب عربي وطارداً لكل خلاف”. وحذر الحريري من محاولات الاستثمار في الخلافات العربية، معتبراً أن من “يخيط بمسألة الخلافات رح تطلع سلتو فاضية”، في إشارة واضحة إلى ضرورة توحيد الصفوف وتجنب الانقسامات الإقليمية التي غالباً ما تنعكس سلباً على الساحة اللبنانية.
الخلفية التاريخية: إرث رفيق الحريري واتفاق الطائف
يأتي هذا التصريح في سياق تاريخي معقد، حيث لا تزال ذكرى اغتيال رفيق الحريري في 14 فبراير 2005 تلقي بظلالها على المشهد السياسي اللبناني. كان رفيق الحريري مهندس إعادة إعمار لبنان بعد الحرب الأهلية (1975-1990)، وشخصية محورية في إرساء أسس اتفاق الطائف عام 1989. هذا الاتفاق، الذي رعته المملكة العربية السعودية، أنهى الحرب الأهلية وأعاد هيكلة النظام السياسي اللبناني، معززاً صلاحيات رئيس الوزراء ومقلصاً بعض صلاحيات رئيس الجمهورية، ومؤكداً على مبدأ المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في السلطة، وحصر السلاح بيد الدولة. اغتياله أثار موجة غضب عارمة، أدت إلى “ثورة الأرز” وانسحاب القوات السورية من لبنان، وكشف عن عمق الانقسامات الداخلية والتدخلات الخارجية.
التأكيد على الطائف كاملاً و”لبنان أولاً”
استعاد سعد الحريري سيرة والده، مؤكداً أن رفيق الحريري كان “المساهم الأكبر في وقف الحرب الأهلية” وعراب اتفاق الطائف. وشدد على أن الحل لا يزال يكمن في التطبيق الكامل لهذا الاتفاق، “لا في تجزئته أو توظيف بنوده وفق مصالح سياسية ضيقة”. وأوضح أن اللبنانيين أنهوا الحرب برعاية الطائف، لكن القوى السياسية تعاملت معه بانتقائية، فكانت النتيجة تعطيل التنفيذ واستمرار الأزمات. هذا التأكيد على الطائف كاملاً يعكس إيماناً راسخاً بأن الاتفاق يمثل الإطار الدستوري الوحيد القادر على حفظ وحدة لبنان وتماسكه في وجه التحديات الراهنة.
وحدد الحريري عناصر الطائف الأساسية التي يجب تطبيقها: حصر السلاح بيد الدولة، إقرار اللامركزية الإدارية، إلغاء الطائفية السياسية، إنشاء مجلس الشيوخ، وتطبيق اتفاق الهدنة بحذافيره. هذه النقاط تؤكد على أولوية استعادة الدولة لقرارها السيادي وبسط سلطتها الكاملة على أراضيها، وهي مطالب أساسية لتحقيق الاستقرار والتنمية في البلاد.
كما أعاد الحريري تثبيت عنوان “لبنان أولاً”، واصفاً إياه بـ”مشروع جامع لا يقبل الفتنة ولا يساوم على وحدة البلد”، لافتاً إلى أن الثمن الذي دُفع دفاعاً عن هذا الخيار يشهد على ثباته. وأكد أن اللبنانيين يستحقون بعد سنوات الحروب “بلداً واحداً وجيشاً واحداً وسلاحاً واحداً”، في دعوة صريحة لإنهاء حالة التعددية الأمنية والعسكرية التي تعصف بالبلاد وتعيق بناء دولة قوية وموحدة.
المشاركة السياسية والموقف من الانسحاب
على الصعيد الداخلي، أعلن الحريري أن تيار المستقبل سيخوض الاستحقاقات الوطنية القادمة، وفي مقدمتها الانتخابات النيابية، ليكون “صوت الناس” في مواجهة الأزمات المتراكمة. وتطرق إلى مرحلة غيابه عن لبنان، موضحاً أن قرار الابتعاد جاء رفضاً لتغطية الفشل أو المساومة على الدولة، معتبراً أن “السياسة على حساب كرامة البلد لا مكان لها في مدرستنا”. وأكد أن “الحريرية الوطنية قد تأخذ استراحة لكنها لا تنكسر ولا تندثر”، مشدداً على استمرارية النهج الذي يمثله تيار المستقبل.
البعد العربي والدولي: استعادة العلاقات ودعم الاستقرار
أما في البعد العربي، فدعا الحريري إلى نسج أفضل العلاقات مع الدول العربية، بدءاً من المملكة العربية السعودية، في مقاربة تعكس توجهات نحو إعادة التموضع ضمن الحاضنة العربية الأوسع. هذا الموقف يكتسب أهمية خاصة في ظل التوترات الأخيرة بين لبنان وبعض دول الخليج، والتي أثرت سلباً على الاقتصاد اللبناني وعلى صورة لبنان الإقليمية والدولية. استعادة العلاقات مع السعودية ودول الخليج أمر حيوي لتدفق الاستثمارات والمساعدات الضرورية لإنقاذ لبنان من أزمته الاقتصادية الخانقة.
تصريحات سعد الحريري في هذه الذكرى تحمل رسائل متعددة الأبعاد: فهي تذكير بإرث رفيق الحريري ودعوته الدائمة لبناء الدولة، وتأكيد على ضرورة تطبيق اتفاق الطائف كخارطة طريق للخروج من الأزمات، وتجديد للالتزام بمبدأ “لبنان أولاً” في وجه التحديات الداخلية والخارجية. هذه الرؤية، إن وجدت طريقها للتطبيق، يمكن أن تسهم في استعادة الثقة بالدولة اللبنانية، وتعزيز استقرارها، وفتح آفاق جديدة للتعاون الإقليمي والدولي، مما يعود بالنفع على الشعب اللبناني الذي يتطلع إلى مستقبل أفضل.


