أعلنت الباحثة الأكاديمية المغربية صباح أبو السلام عن رحيل زوجها، المفكر وعالم الاجتماع الفرنسي البارز إدغار موران، الذي وافته المنية عن عمر يناهز 104 أعوام. وبوفاته، تُطوى صفحة استثنائية من الشراكة الفكرية والإنسانية التي جمعت بين الثقافتين المغربية والفرنسية. لم تكن صباح أبو السلام مجرد شريكة حياة للفيلسوف الراحل، بل كانت حارسة أمينة لإرثه المعرفي الضخم، ومساهمة فعالة في صياغة العديد من مشاريعه الفكرية التي ألهمت ملايين القراء حول العالم.
مسيرة صباح أبو السلام العلمية من مراكش إلى السوربون
ولدت صباح أبو السلام في مدينة مراكش العريقة عام 1959، حيث نشأت في بيئة ثقافية غنية دفعتها للشغف بالعلوم الاجتماعية. سافرت إلى فرنسا لمتابعة دراساتها العليا، وحصلت على شهادة الدكتوراه من جامعة باريس الأولى ‘بانتيون – السوربون’، مركّزةً في أطروحتها على قضايا الفقر الحضري والسلوك السكني في مسقط رأسها مراكش. عملت كأستاذة محاضرة في جامعة السوربون المرموقة بين عامي 1993 و2006، قبل أن تقرر العودة إلى المغرب لتنقل خبراتها الأكاديمية كأستاذة في المعهد الوطني للتهيئة والتعمير بالرباط، متخصصة في التنمية الحضرية والإسكان والمواطنة.
لقاء الأرواح والشراكة الفكرية العابرة للقارات
بدأت علاقة صباح أبو السلام بإدغار موران من بوابة الفكر والتحليل السوسيولوجي قبل أن تتحول إلى قصة حب ملهمة. فمنذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، كانت تتابع بشغف مؤلفاته ونظرياته حول ‘الفكر المركب’. التقى الاثنان وجهاً لوجه لأول مرة في عام 2009 خلال مهرجان فاس للموسيقى الروحية بالمغرب، وهو الحدث الذي شكل نقطة تحول كبرى في حياتهما، ليتوج هذا اللقاء بالزواج الرسمي في عام 2012.
تحولت هذه العلاقة الزوجية سريعاً إلى نموذج فريد للشراكة الفكرية؛ حيث شاركت أبو السلام في إعداد ومراجعة العديد من مؤلفات موران البارزة، مثل كتاب ‘الرجل ضعيف أمام المرأة’ (2013)، وكتاب ‘فلنغيّر المسار.. دروس فيروس كورونا’ (2020)، بالإضافة إلى مؤلفهما المشترك ‘فرنسا الواحدة والمتعددة الثقافات’.
إدغار موران.. قرن من الفلسفة الإنسانية والفكر المركب
يُعد إدغار موران أحد أعمدة الفلسفة المعاصرة وعلم الاجتماع في فرنسا والعالم. على مدار أكثر من قرن من الزمان، قدم موران إسهامات نظرية غيرت مجرى العلوم الإنسانية، لعل أبرزها نظرية ‘الفكر المركب’ (Complex Thought) التي تدعو إلى فهم العالم من خلال الترابط والتركيب بدلاً من التبسيط والتجزئة. عاش موران أحداثاً تاريخية كبرى، من الحرب العالمية الثانية ومقاومة الاحتلال النازي، إلى التحولات السياسية والاجتماعية في القرن الحادي والعشرين. وفي خضم هذه المسيرة الطويلة، شكل المغرب محطة أساسية في حياته المتأخرة، حيث اختار العيش في مراكش رفقة زوجته صباح، مستلهماً من طبيعتها وثقافتها طاقة متجددة لمواصلة العطاء الفكري حتى أيامه الأخيرة.
أثر رحيل موران ودور مؤسسة حماية الإرث الفكري
يمثل رحيل إدغار موران خسارة فادحة للمجتمع الأكاديمي الدولي وللفكر الإنساني بشكل عام. وتتجه الأنظار اليوم إلى الدور المحوري الذي ستلعبه صباح أبو السلام في الحفاظ على هذا الإرث الفلسفي الضخم وضمان استمراريته للأجيال القادمة. فمنذ عام 2018، بذلت جهوداً حثيثة لتأسيس ‘مؤسسة إدغار موران’ التي رأت النور رسمياً في باريس عام 2020.
تهدف هذه المؤسسة إلى حماية ونشر أعمال المفكر الراحل، وتعزيز قيم الحوار الإنساني والتعايش بين الثقافات المختلفة. ومن المتوقع أن تسهم المؤسسة، تحت إشراف أبو السلام، في تعميق الروابط الثقافية بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، مستندة إلى المشاريع البيئية والزراعية المستدامة التي أطلقها الزوجان في ضواحي مراكش، والتي تجسد تطبيقاً عملياً لفلسفة موران البيئية والإنسانية.


