في خطوة تعكس الوعي المجتمعي والفكري، نظم نادي الثقافة والفنون في محافظة صبيا، بالتعاون المثمر مع بلدية المحافظة، برنامجاً فكرياً نوعياً حمل عنوان «فتنة الوهم». وقد استضاف مقر الاجتماعات بصبيا هذه الأمسية الاستثنائية وسط حضور غفير من نخبة الأدباء، والشعراء، والمثقفين، وبمشاركة واسعة من إعلاميي المنطقة. وقد سعت هذه الفعالية إلى تسليط الضوء على واحدة من أكثر القضايا المعاصرة إلحاحاً، وهي ظاهرة التفاهة، وتأثيراتها المتسارعة على بنية المجتمع وقيمه الأصيلة.
السياق الثقافي وتصاعد ظاهرة التفاهة في العصر الرقمي
تأتي هذه الأمسية في سياق تاريخي وثقافي يشهد تحولات جذرية على المستوى العالمي والمحلي. فمع الثورة التكنولوجية والانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي خلال العقدين الأخيرين، برزت تحديات فكرية جديدة غيرت من معايير النجاح والتأثير. لقد تحول العالم من تقييم المحتوى بناءً على عمقه المعرفي والأدبي إلى الاعتماد على سرعة الانتشار والسطحية. إن مناقشة ظاهرة التفاهة في هذا التوقيت تعكس إدراكاً عميقاً لخطورة انسياق المجتمعات خلف قوالب استهلاكية تفرغ الثقافة من مضمونها الحقيقي، وتستبدل الإبداع بمحتوى سريع الزوال لا يضيف قيمة تراكمية للفكر الإنساني، وهو ما استدعى وقفة جادة من المؤسسات الثقافية.
محاور أمسية فتنة الوهم: تشخيص دقيق للواقع
حلت القامة الأدبية، الأديب جبريل بن إسماعيل السبعي، ضيفاً رئيسياً على الأمسية، بينما أدار دفة حوارها ببراعة واقتدار الأستاذ ماضي السبعي. وقد أبهر الضيف الحضور بطرحه العميق وتحليله الدقيق لعدة محاور جوهرية تمس الحياة اليومية. شملت النقاشات كواليس الهوس بـ«عدد المشاهدات» واعتباره معياراً وحيداً للنجاح، بالإضافة إلى الغرق في مستنقع الكماليات الزائفة التي تروج لها المنصات الرقمية. كما حذر السبعي من التعلق المفرط بالشاشات، والذي بات يهدد التوازن النفسي والاجتماعي للفرد، ويخلق فجوة في التواصل الإنساني المباشر. وتطرق بجرأة إلى «سلطة الشائعات» ودور النكات المسيئة في تزييف الوعي الجمعي، محذراً بشدة من مخاطر اللهاث خلف طلب الشهرة على حساب المبادئ والقيم الأصيلة التي قام عليها المجتمع.
الأهمية المجتمعية والتأثير المتوقع للحراك الثقافي في صبيا
لا تقتصر أهمية هذه الفعالية على مجرد الطرح النظري، بل تمتد لتشكل تأثيراً ملموساً على مستويات عدة. محلياً، تساهم مثل هذه الأمسيات في خلق بيئة حاضنة للفكر النقدي في محافظة صبيا ومنطقة جازان، مما يشجع الشباب على فرز المحتوى الذي يتعرضون له يومياً بوعي وإدراك. وإقليمياً، ينسجم هذا الحراك الثقافي مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي تؤكد على تعزيز جودة الحياة والارتقاء بالمشهد الثقافي وبناء مجتمع حيوي يعتز بقيمه. أما على الصعيد الدولي، فإن التصدي لمثل هذه الظواهر يعد جزءاً من حوار إنساني عالمي يسعى لإعادة الاعتبار للعقل البشري. وقد تجلى هذا الوعي من خلال الحراك الفكري اللافت والمداخلات الثرية التي قدمها الحضور، والتي تقاطعت مع محاور الأمسية لتخلق حالة من الوعي الجمعي الإيجابي.
تكريم رواد الفكر وتعزيز الشراكات المؤسسية
وفي ختام الأمسية الثقافية، توج رئيس نادي الثقافة والفنون بصبيا هذا النجاح بتكريم الضيف والمحاور بشهادتي شكر وتقدير؛ تثميناً لعطائهما الفكري ودورهما المحوري في إنجاح البرنامج وإيصال رسالته السامية. كما قدم النادي شهادة شكر مماثلة لبلدية محافظة صبيا، مثمناً التعاون المثمر والشراكة الفاعلة التي ساهمت في إبراز هذا الحراك الثقافي بالصورة المشرفة، مما يؤكد على أهمية تضافر الجهود بين مؤسسات المجتمع المدني والجهات الحكومية لخدمة الثقافة وتنمية الوعي المجتمعي.


