
مع إشراقة هلال شهر رمضان المبارك، يستقبل المسلمون شهراً من أعظم شهور السنة، يفيض بالروحانيات والعبادات، وتتصدره فريضة الصيام التي تمثل ركناً أساسياً من أركان الإسلام. ورغم أن الصيام في جوهره هو الامتناع عن الطعام والشراب من الفجر حتى المغرب، إلا أن أبعاده الصحية تتجاوز ذلك بكثير، خاصة بالنسبة لأصحاب الأمراض المزمنة الذين يواجهون تحدياً دقيقاً لتحقيق التوازن بين أداء الشعائر الدينية والحفاظ على استقرار حالتهم الصحية.
السياق التاريخي والأهمية الصحية للصيام
الصيام ليس مجرد ممارسة دينية إسلامية، بل هو تقليد عريق في العديد من الثقافات والديانات عبر التاريخ، وقد أثبت العلم الحديث فوائده المحتملة للجسم عند ممارسته بطريقة صحيحة. فهو يمنح الجهاز الهضمي فرصة للراحة، ويساهم في عمليات “الالتهام الذاتي” (Autophagy) التي تخلص الجسم من الخلايا التالفة. ومع ذلك، فإن الشريعة الإسلامية السمحة تضع حفظ النفس في مقدمة الأولويات، حيث منحت رخصة الإفطار للمريض الذي قد يتضرر من الصيام، مما يؤكد على أهمية الموازنة بين العبادة والسلامة الجسدية.
فوائد صحية مشروطة بالالتزام
أوضح الدكتور وائل الزهراني، استشاري الغدد الصماء والسكري، أن الصيام يمكن أن يكون فرصة ذهبية لتحسين الصحة. ومن أبرز فوائده المحتملة تحسين حساسية الجسم للإنسولين، مما يقلل من مقاومته، وهو أمر حيوي لمرضى السكري من النوع الثاني. كما يساهم في خفض الوزن الزائد وتحسين مؤشرات الدهون الثلاثية. لكن الدكتور الزهراني يشدد على أن هذه الفوائد ليست تلقائية، بل هي نتاج منظومة متكاملة تشمل الاعتدال في الطعام عند الإفطار، واختيار نوعية غذاء صحية، والحفاظ على نشاط بدني معتدل، والأهم من ذلك، الالتزام بالخطة العلاجية التي يقرها الطبيب.
إرشادات خاصة لأصحاب الأمراض المزمنة
يختلف تأثير الصيام باختلاف الحالة الصحية، وهنا تبرز أهمية الاستشارة الطبية المسبقة لاتخاذ القرار المناسب.
مرضى السكري: بين الممكن والممنوع
أكد الدكتور الزهراني والدكتورة مي الشمري أن مرضى السكري الذين حالتهم مستقرة يمكنهم الصيام بأمان بعد تعديل جرعات الأدوية ومواعيدها. لكن يُمنع الصيام منعاً باتاً في حالات السكري غير المنضبط، أو عند وجود مضاعفات حادة. ويجب على المريض كسر صيامه فوراً إذا انخفض مستوى السكر عن 70 ملغم/ديسيلتر أو ارتفع فوق 300 ملغم/ديسيلتر، أو عند الشعور بأعراض خطيرة كالدوار الشديد أو الإغماء.
مرضى الضغط والقلب: الترطيب هو المفتاح
بالنسبة لمرضى ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب المستقرين، يمكنهم الصيام غالباً بعد موافقة الطبيب. التحدي الأكبر لهؤلاء المرضى هو خطر الجفاف الذي قد يؤثر على وظائف الكلى ويزيد من لزوجة الدم. لذا، يجب الحرص على شرب كميات كافية من الماء بين الإفطار والسحور، والالتزام الدقيق بمواعيد الأدوية، وتجنب الأطعمة الغنية بالصوديوم كالمخللات والوجبات الجاهزة.
نصائح ذهبية لجهاز هضمي مرتاح
أشار الدكتور عبدالله المحمود، استشاري أمراض الجهاز الهضمي، إلى أن الشكاوى الهضمية كالحموضة وعسر الهضم تتزايد في رمضان بسبب العادات الغذائية الخاطئة. ولتجنب ذلك، ينصح بالآتي:
- ابدأ إفطارك بلطف: تناول بضع تمرات مع كوب من الماء أو اللبن لتهيئة المعدة.
- تجنب الإفراط في الأكل: تناول وجبة رئيسية متوازنة بعد صلاة المغرب، وتجنب ملء المعدة دفعة واحدة.
- قلل من الدهون والمقليات: فهي تبطئ عملية الهضم وتسبب الشعور بالثقل والغثيان.
- اشرب الماء بذكاء: وزع شرب 8 أكواب من الماء على الأقل على فترات متقطعة بين الإفطار والسحور.
- لا تهمل الألياف: تناول الحبوب الكاملة، الخضروات، والفواكه لتعزيز صحة الهضم والوقاية من الإمساك.
السحور الصحي: وقود يومك
أجمع الأطباء على أهمية وجبة السحور وتأخيرها قدر الإمكان. يجب أن تكون وجبة متكاملة تحتوي على الكربوهيدرات المعقدة (خبز أسمر، شوفان) التي تمنح طاقة مستدامة، والبروتين (بيض، زبادي، بقوليات) الذي يزيد الشعور بالشبع، مع تجنب الأطعمة المالحة التي تزيد الإحساس بالعطش.
خلاصة القول: رمضان فرصة لإعادة الضبط
كما أكد الدكتور عبدالرحمن الملق، فإن شهر رمضان ليس مجرد عبادة، بل هو فرصة لإعادة ضبط الجسم وتحسين العادات الصحية. الصيام الصحي لا يتحقق بالامتناع عن الطعام فقط، بل باتباع نهج غذائي متوازن، وشرب كميات كافية من الماء، والأهم من كل ذلك، استشارة الطبيب المختص لوضع خطة صيام آمنة تتناسب مع حالتك الصحية، لتجمع بين أجر العبادة ونعمة العافية.


