شهدت الساحة الفنية السعودية والعالمية حدثاً بارزاً تمثل في بيع لوحة «مقهى في طريق المدينة» للفنانة التشكيلية الرائدة صفية بن زقر، بمبلغ قياسي بلغ 2,063,000 دولار أمريكي، أي ما يعادل 7.736 مليون ريال سعودي. هذا البيع التاريخي تم ضمن فعاليات مزاد Origins II المرموق، الذي نظمته دار سوثبيز Sotheby’s العالمية في قلب الدرعية التاريخية بالمملكة العربية السعودية. اللوحة، التي أُنجزت عام 1968، ليست مجرد عمل فني، بل هي نافذة بصرية آسرة على الحياة الاجتماعية النابضة بالحركة في مدينة جدة خلال منتصف القرن العشرين، وتعكس ببراعة تفاصيل العادات والتقاليد التي كانت سائدة آنذاك.
السياق العام والخلفية التاريخية: رائدة الفن السعودي
تُعد صفية بن زقر (1940-2022) إحدى أبرز رائدات الفن التشكيلي في المملكة العربية السعودية، وشخصية محورية أسهمت في تأسيس المشهد الفني الحديث في البلاد. بدأت مسيرتها الفنية في فترة كانت فيها الفنون التشكيلية لا تزال في مراحلها الأولى بالمملكة، وعملت بجد لتوثيق التراث السعودي الغني والعادات والتقاليد المحلية من خلال ريشتها. كانت أعمالها بمثابة سجل بصري حي لحياة المجتمع السعودي قبل التحولات الكبرى، مما يمنحها قيمة تاريخية وثقافية لا تقدر بثمن. لوحة «مقهى في طريق المدينة» تجسد هذا التوجه، حيث تصور مشهداً يومياً بسيطاً لكنه غني بالدلالات، يعكس روح المكان والزمان. هذا التركيز على التراث والهوية المحلية جعل من صفية بن زقر أيقونة فنية، وساهم في ترسيخ مكانة الفن السعودي الأصيل.
أهمية الحدث وتأثيره: الفن السعودي على الخارطة العالمية
إن بيع هذه اللوحة بمبلغ قياسي يحمل دلالات عميقة وتأثيرات متعددة الأبعاد:
- على الصعيد المحلي: يعزز هذا الإنجاز من قيمة الفن السعودي ويبرز أهمية الحفاظ على التراث الثقافي وتوثيقه. كما يشجع الفنانين السعوديين المعاصرين على الاستلهام من هذا الإرث الغني ويفتح آفاقاً جديدة لتقدير أعمالهم محلياً وعالمياً. يساهم في رفع الوعي بأهمية الفن كجزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية، ويدعم جهود المملكة في بناء اقتصاد إبداعي مزدهر ضمن رؤية 2030.
- على الصعيد الإقليمي والدولي: يؤكد هذا البيع على تزايد الاهتمام العالمي بالفن الشرق أوسطي والسعودي على وجه الخصوص. تنظيم مزاد عالمي مثل سوثبيز في الدرعية، التي تعد مركزاً ثقافياً وتاريخياً مهماً، يعكس التزام المملكة بتعزيز مكانتها كوجهة فنية وثقافية رائدة. هذا التقدير العالمي يضع الفن السعودي على خارطة الفن العالمية، ويجذب المزيد من المستثمرين والمهتمين من جامعي الفنون والمؤسسات الدولية، مما يعزز التبادل الثقافي ويفتح أسواقاً جديدة للفنانين في المنطقة. كما أنه يبرز الدور المتنامي للمملكة في المشهد الثقافي العالمي كقوة فاعلة في الحراك الفني.
مسيرة تشكيلية حافلة وإرث خالد: دار صفية بن زقر وكتابها
لقد رحلت رائدة الفن التشكيلي السعودي الفنانة صفية بن زقر بعد مسيرة فنية حافلة امتدت لعقود، تركت خلالها بصمتها المضيئة بالإبداع في مشهدنا الثقافي والفني. لم تكن مجرد رسامة، بل كانت مؤرخة بصرية، عملت على حفظ الذاكرة الجماعية للمجتمع السعودي من خلال أعمالها الفنية التي وثقت الحياة اليومية والتراث الأصيل.
في عام 1995، وبعد رحلة تجاوزت الثلاثين عاماً في عالم الفن التشكيلي، أسست الراحلة «دارة صفية بن زقر». هذه الدارة لم تكن مجرد معرض لأعمالها، بل كانت مركزاً ثقافياً يضم لوحاتها ومقتنياتها الفنية، بالإضافة إلى مرسمها الخاص ومكتبتها الثرية. كانت رؤيتها تهدف إلى أن تكون الدارة مرجعاً للباحثين والمهتمين بالفن والتراث السعودي، ومساحة لإلهام الأجيال الجديدة من الفنانين.
وفي عام 2000، أصدرت كتابها القيم «رحلة عقود ثلاثة مع التراث السعودي»، الذي لم يكن مجرد سرد لمسيرتها، بل كان توضيحاً لأهداف الدارة ونشاطاتها، مؤكدة على التزامها بالعمل المتواصل والمثابرة من أجل توثيق هذا التراث الغني بطريقة جمالية وبناءة. هذا الإرث الفني والثقافي الذي تركته صفية بن زقر يظل مصدر إلهام للأجيال القادمة، ويؤكد على دور الفن في بناء الهوية وحفظ التاريخ.


