spot_img

ذات صلة

سعيد السريحي ناقداً وسارداً: رحلة الحداثة والوعي الأدبي

يُمثّل الأديب والناقد السعودي الراحل سعيد السريحي علامة فارقة في مسيرة الحداثة الأدبية في العالم العربي. فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، شكّلت أطروحاته النقدية والسردية حراكاً فكرياً واسعاً تجاوز الحدود المحلية ليصل إلى الفضاء الإقليمي. لم يكن سعيد السريحي مجرد ناقد يفكك النصوص، بل كان سارداً يعيد صياغة الوجود الإنساني وعلاقته باللغة والمكان، ممهداً الطريق لولادة وعي إبداعي جديد تمرد على الأنماط التقليدية السائدة وخرج بالكتابة من أقواسها الضيقة.

سعيد السريحي: رائد الكتابة خارج الأقواس ومعارك الحداثة

في ثمانينيات القرن العشرين، شهدت الساحة الثقافية السعودية سجالاً فكرياً محتدماً حول مفهوم “الحداثة في اللغة والتعبير”. وفي هذا السياق التاريخي الحرج، صدر الكتاب النقدي الأول للراحل سعيد السريحي بعنوان “الكتابة خارج الأقواس”. تزامن هذا الإصدار مع كتاب الغذامي الشهير “الخطيئة والتكفير”، ليشكلا معاً جبهة تنويرية واجهت عواصف من المعارك والاحتجاجات الاجتماعية والدينية. تميز طرح السريحي بوضوح علمي ومنهجي صارم، وببصيرة إبداعية قلقة سعت بجدية إلى توطين مفهوم الحداثة في النسيج الثقافي العربي، داعياً إلى الانعتاق من ربقة السائد والساكن والانتصار للوعي الفردي المتفرد.

فلسفة اللغة والوجود في الفكر النقدي المعاصر

انحاز السريحي في مشروعه النقدي إلى جدلية الاتصال والانفصال مع الموروث؛ فلم يقطع الحبل السري مع التراث اللغوي، بل دعا إلى تجديد الموقف من اللغة لتصبح “سكناً للوجود” على حد تعبير الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر. وتجلى هذا الوعي في قراءته لقصائد رواد الحداثة مثل محمد الثبيتي، وأدونيس، ومحمد عفيفي مطر. يرى السريحي أن الإبداع ليس مجرد رؤية، بل هو موقف فردي يؤكد حرية الإنسان إزاء العالم، مما يتطلب تطويراً مستمراً للمناهج النقدية والوقوف على الفلسفات اللغوية الحديثة لفهم البنية التركيبية والمعرفية للقصيدة المعاصرة.

من النقد إلى السرد: تجليات “الحياة خارج الأقواس”

لم تكن الحداثة عند السريحي مجرد تنظير نقدي، بل امتدت لتشمل تجربته السردية الفريدة. في سيرته غير الذاتية “سيرة غير ذاتية للمدعو سعيد”، والتي توازت موضوعياً مع كتابه “الحياة خارج الأقواس”، قدم لغة مفعمة بالحياة والروح، ممتزجة باللهجة الحجازية اللماحة. في هذه السردية، تداخلت تخيلات الطفولة والشيخوخة مع قلق الانمحاء والغياب الوجودي، حيث استبق السريحي لحظة الموت وتخيل العيش في العدم بأسلوب فلسفي هيدجري عميق، مؤكداً أن الموت والوجود وجهان لعملة واحدة.

“جدة 915”: ملحمة تاريخية تخلد عبقرية المكان

يتجلى عشق السريحي لمدينته جدة في روايته التاريخية السمفونية القصيرة “جدة 915”. في هذا العمل الإبداعي، يوثق السريحي لحظة التأسيس والتكوين للمدينة، مستدعياً التاريخ لمقاومة الطغيان. تروي الرواية صمود أهل جدة الشجعان أمام الوالي المملوكي الدخيل حسين الكردي، والذي انتهى به المطاف غريقاً في البحر الأحمر. هذه السردية العبقرية لا تقطع مع التاريخ بل توظفه لخدمة الأفق الحداثي التنويري، كأن السريحي أراد بها أن يسدد ديناً لمدينته التي أحبها، لتظل جدة تنهض دائماً بألق متجدد يجمع بين عبقرية المكان وعمق التاريخ.

spot_imgspot_img