الروائي سعيد خطيبي وتتويجه بجائزة البوكر العربية
لا يكتب الروائي الجزائري سعيد خطيبي التاريخ بوصفه وقائع جامدة، ولا يتعامل مع الذاكرة باعتبارها مخزناً للأحداث المنقضية، بل يقترب منهما بوصفهما مادة حيّة قابلة للمساءلة والتأويل وإعادة التخيل. وفي مشروعه الروائي، الذي تُوّج أخيراً بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) عن روايته «أغالب مجرى النهر»، تبدو الكتابة محاولة دؤوبة لاستعادة الإنسان من بين ركام السرديات الكبرى، والإنصات إلى ما تقوله الأصوات المهمشة بعيداً عن الرواية الرسمية. في هذا الحوار، يفتح خطيبي أبواب تجربته الإبداعية، متحدثاً عن بداياته الشاقة، وعلاقته بالتاريخ، وتأثير الصحافة، ورؤيته لمستقبل الأدب.
السياق التاريخي للأدب الجزائري ورحلة التتويج
يمثل فوز سعيد خطيبي بهذه الجائزة المرموقة محطة هامة في مسيرة الأدب الجزائري المعاصر. تاريخياً، عانى المشهد الثقافي الجزائري من ويلات “العشرية السوداء” في التسعينيات، وهي فترة شهدت إغلاق المكتبات وتراجع النشر، مما جعل الحصول على كتاب بمثابة مغامرة محفوفة بالمخاطر. في هذا السياق القاسي، وُلدت تجربة خطيبي الإبداعية، حيث كانت القراءة والكتابة وسيلة للمقاومة وتحويل الخوف إلى معنى. وتأتي الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، التي تأسست عام 2007 وتعد من أهم الجوائز الأدبية في العالم العربي، لتسلط الضوء على هذه السرديات العميقة، مؤكدة أن الأدب النابع من المعاناة قادر على اختراق الحدود والوصول إلى العالمية.
من البدايات الشاقة إلى منصة التتويج
يستعيد خطيبي مساره ليس كمجرد رحلة أدبية، بل كحياة كاملة مليئة بالقسوة والعناد. بدأ الكتابة في زمن كان العثور فيه على كتاب بالعربية في مدينته البعيدة جنوب العاصمة يشبه العثور على كنز. ومع إغلاق المكتبة الوحيدة بسبب الظروف الأمنية، أصبح تداول الكتاب الواحد بين الأيدي طقساً يومياً. الطريق إلى الكتابة كان مفروشاً بالمشقة، حيث نشأ جيله على إيقاع الرصاص، لكنهم لم يتخلوا عن حقهم في الحلم. كانت الكتابة بالنسبة له قدرة على اجتياز القسوة دون فقدان الحساسية، وتحويل الندوب إلى لغة.
أهمية الحدث وتأثيره الإقليمي والدولي
لا يقتصر تأثير تتويج رواية “أغالب مجرى النهر” على المستوى المحلي الجزائري فحسب، بل يمتد ليترك بصمة واضحة على المشهد الإقليمي والدولي. محلياً، يعيد هذا الفوز الاعتبار للأصوات المهمشة وللذاكرة الفردية التي طالما طمستها السرديات الرسمية. وإقليمياً، يعزز من مكانة الرواية المغاربية داخل الوطن العربي، مؤكداً أن العالم العربي فضاء كوني متحرك يتبادل فيه المشرق والمغرب التأثير والإصغاء. أما دولياً، فإن جوائز بحجم “البوكر” تفتح أبواب الترجمة إلى لغات عالمية، مما يتيح للقارئ الأجنبي فهم التعقيدات التاريخية والاجتماعية للمنطقة العربية بعيداً عن القوالب النمطية.
التاريخ والذاكرة: إنسان لا أرشيف
يرى خطيبي أن الرواية لا تعيد تدوير الماضي، بل تتأمله وتعيد مساءلته. التاريخ لا يُكتب بيد المؤرخين وحدهم؛ فالمؤرخ يدون الأرقام والتواريخ، بينما يتسلل الأدب إلى اللحظة الإنسانية وما شعر به البشر. في السياق العربي، يبدو الزمن وكأنه يعيد نفسه، والكاتب يستدعي ما كان ليرى ما سيكون. الوقائع التاريخية بالنسبة له ليست حقائق مكتملة، بل احتمالات لم تُستنفد، وهو يكتب انطلاقاً من الشك والارتياب لإنقاذ الذاكرة من سلطة القداسة التي تضيق أفق النظر إليها.
جماليات السرد وتعدد الأصوات
يعتبر خطيبي الرواية مغامرة محفوفة بالمخاطر تختبر الوعي والذاكرة. ينحاز في كتابته إلى “البوليفونية” (تعدد الأصوات)، رافضاً الصوت الواحد الذي يذكره بالأنظمة السياسية المحتكرة للحقيقة. كما يعترف بفضل الصحافة على أسلوبه، حيث تعلم منها الإصغاء للآخرين، والانضباط، والاقتصاد في اللغة، والاقتراب من جوهر الأشياء دون زوائد. الصحافة قوضت لديه وهم الكمال، وجعلته يدرك أن الكتابة تمرين مستمر على الاقتراب من الحقيقة.
تحديات الأدب في عصر الذكاء الاصطناعي
في خضم التطور التقني السريع، ينظر خطيبي بحذر إلى دخول الذكاء الاصطناعي مجال الأدب. يرى أن هذا التطور قد يفضي إلى تشابه في الأدب ينزع عنه عنصر الدهشة. ويعتقد أنه كلما تقدمت التقنية، تراجع الأدب، مما سيجعلنا في المستقبل نحِنُّ إلى النصوص القديمة والأعمال الكلاسيكية. لذلك، يفضل الزهد في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، معتبراً الذكاء الاصطناعي عاملاً سلبياً في حالة الأدب الإبداعي.


