spot_img

ذات صلة

اغتيال سيف الإسلام القذافي: غموض الاتصال الأخير وتداعياته على ليبيا

لا يزال الغموض يلفّ تفاصيل اغتيال سيف الإسلام القذافي، الشخصية الليبية المثيرة للجدل ونجل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، في حادثة أثارت تساؤلات واسعة حول الكيفية التي تمكّن بها أربعة أشخاص من التسلل إلى مقر إقامته، وتعطيل كاميرات المراقبة، ثم مغادرة المنزل قبل اندلاع مواجهة مع الحرس الخاص، وفق روايات متداولة لم تُحسم بعد. يأتي هذا التطور في وقت حرج تمر به ليبيا، حيث تتصارع الفصائل المختلفة على السلطة والنفوذ، وتتزايد الدعوات لإجراء انتخابات وطنية قد تشكل مخرجًا للأزمة المستمرة منذ عام 2011. لطالما كان سيف الإسلام القذافي شخصية محورية في المشهد الليبي، بدءًا من دوره البارز في عهد والده، مرورًا بظهوره كمرشح محتمل للرئاسة، مما جعله هدفًا للعديد من الأطراف المحلية والدولية التي تسعى لتشكيل مستقبل البلاد.

خلفية تاريخية: سيف الإسلام القذافي والمشهد الليبي

بعد سقوط نظام والده في عام 2011، اختفى سيف الإسلام عن الأنظار قبل أن يتم القبض عليه في الزنتان. أمضى سنوات في الأسر، ثم أُطلق سراحه في عام 2017، ليُعيد الظهور في المشهد السياسي الليبي معلنًا نيته الترشح للانتخابات الرئاسية. كان يُنظر إليه من قبل البعض كشخصية قادرة على توحيد البلاد، بينما رآه آخرون رمزًا للماضي الذي يجب تجاوزه. هذه الخلفية المعقدة تزيد من تعقيد ملابسات اغتياله، وتضع الحادثة في سياق صراع أوسع على مستقبل ليبيا، حيث تتداخل المصالح المحلية مع الأجندات الإقليمية والدولية.

شهادة المحامية تُربك الروايات المتداولة وتُشير إلى مؤامرة

في تسجيل مصوّر قصير، أكدت محامية سيف الإسلام القذافي، نضال الأحمدية، أنها تواصلت معه شخصيًا عند الساعة الرابعة عصر يوم الحادثة، مشيرة إلى عدم وقوع أي اشتباكات أو هجوم مسلح في ذلك التوقيت. وتناقضت هذه الإفادة مع روايات مقربين قالوا إنهم كانوا برفقته في موقع الاغتيال، ما فتح بابًا واسعًا للتشكيك وتضارب المعطيات. هذه التناقضات تثير تساؤلات حول التسلسل الزمني للأحداث ودقة الروايات المتداولة، مما يزيد من الضبابية المحيطة بالجريمة.

صورة حديثة لسيف الإسلام القذافي وابن عمه أحمد القدافي في حديقة المنزل الذي قُتل فيه بمدينة الزنتان.

اتهامات بصفقة لمنعه من الانتخابات

وكشفت المحامية نضال الأحمدية عن ما وصفته بـ«مؤامرة» و«صفقة» هدفت—بحسب قولها—إلى إقصاء سيف الإسلام القذافي عن سباق الانتخابات، التي كان يُعوَّل عليها من قِبل شريحة واسعة من الليبيين كفرصة لإعادة الاستقرار. ووجّهت الأحمدية اتهامات مباشرة لأطراف عسكرية وسياسية بالوقوف خلف عملية التصفية، معتبرة أن ما أدلت به يمثل شهادة محورية قد تُحدث تحولًا في مسار التحقيق. وذهب ناشطون ليبيون إلى اعتبار تلك الشهادة وثيقة مؤثرة في كشف الملابسات، خاصة وأن سيف الإسلام كان يمثل ثقلاً سياسيًا لا يستهان به، وكان ترشحه للرئاسة يثير قلق العديد من الأطراف التي تخشى عودة نفوذ عائلة القذافي أو تغيير موازين القوى القائمة.

رسائل أخيرة تكشف قلقه من التدخلات الخارجية

من جهته، كشف أحمد القذافي، في منشور عبر منصة «إكس»، عن آخر رسالة تلقاها من ابن عمّه سيف الإسلام قبل يوم واحد من مقتله، وقال إنه عبّر فيها عن قلقه من التدخلات الخارجية في الشأن الليبي، ومحاولات أطراف أجنبية التأثير في مسار البلاد. هذه الرسالة تعكس انشغال سيف الإسلام الدائم بأوضاع البلاد، واهتمامه بقضايا السيادة، والأيتام، والجرحى، والأرامل، والمفقودين، ومتابعته المستمرة لأخبار ليبيا. كما نشر أحمد القذافي صورتين حديثتين جمعته بسيف الإسلام في حديقة المنزل الذي قُتل فيه بمدينة الزنتان، ودعا في منشوراته الليبيين إلى عدم الصمت حيال الجريمة، معبرًا عن غضبه وحزنه العميقين على فقدان ابن عمّه. وفي رسالة أخرى مؤثرة، وصف أحمد القذافي سيف الإسلام بأنه كان سندًا ومعلمًا وقائدًا حقيقيًا، لا يرى القيادة منصبًا بقدر ما هي مسؤولية أخلاقية ورؤية وطنية وثبات على الموقف. وأضاف أن كلمات الراحل كانت تمنحه دائمًا وضوحًا وقوة في مواجهة الهجمات، مؤكدًا العهد على المضي في الطريق الذي رسمه، مهما اشتدت الصعاب. هذه الرسائل تسلط الضوء على الجانب الشخصي والسياسي لسيف الإسلام، وتؤكد على الدور الذي كان يسعى للعبّه في مستقبل ليبيا.

النيابة العامة تؤكد الوفاة بطلقات نارية واتهامات لأطراف محلية ودولية

من جهة أخرى، أعلن مكتب النائب العام الليبي أن المحققين والأطباء الشرعيين فحصوا جثة سيف الإسلام القذافي، وتوصلوا إلى أنه توفي متأثرا بجروح ناجمة عن طلقات نارية. وأكدت النيابة العامة أنها تعمل على تحديد هوية المشتبه بهم واتخاذ الإجراءات اللازمة لرفع دعوى جنائية. هذه التأكيدات الرسمية تضفي بعدًا جنائيًا على القضية، وتؤكد أن الاغتيال كان نتيجة عمل مدبر. المتحدث السابق باسم المجلس الأعلى للدولة الليبي، السنوسي إسماعيل، ألمح إلى المتسبب في اغتيال القذافي بقوله: “طرف محلي وراء مقتل سيف الإسلام القذافي.. وقوى دولية حاولت إبعاده عن المشهد السياسي في ليبيا”. هذا التصريح يربط بين الأطراف المحلية والدولية في سياق محاولات إقصاء سيف الإسلام من المشهد السياسي، مما يعمق من تعقيدات القضية ويشير إلى شبكة أوسع من المصالح المتضاربة.

تأثير الاغتيال على المشهد الليبي المعقد

إن اغتيال شخصية بحجم سيف الإسلام القذافي، بغض النظر عن الجدل الذي يحيط به، يمثل ضربة قوية لأي جهود تهدف إلى تحقيق الاستقرار والمصالحة في ليبيا. ففي ظل الانقسامات العميقة والصراعات المسلحة التي تشهدها البلاد، يمكن أن يؤدي هذا الحادث إلى تأجيج التوترات القائمة، وربما يعرقل مسار الانتخابات التي طال انتظارها. كما يبعث برسالة خطيرة حول مدى هشاشة الوضع الأمني والسياسي، وقدرة الأطراف المتنافسة على اللجوء إلى العنف لتصفية حساباتها. على الصعيد الإقليمي والدولي، قد يزيد هذا الاغتيال من تدخل القوى الخارجية التي ترى في ليبيا ساحة لصراعات النفوذ، مما يجعل مهمة بناء دولة مستقرة وذات سيادة أكثر صعوبة. تبقى قضية اغتيال سيف الإسلام القذافي مفتوحة على أسئلة كبرى، بانتظار تحقيق يكشف الحقيقة الكاملة ويوضح تداعياتها على مستقبل ليبيا المجهول.

spot_imgspot_img