في خطوة تعكس التزامها بتعزيز الاستقرار المالي وكفاءة القطاع المصرفي، أصدر البنك المركزي السعودي (ساما) تعميمًا حديثًا يلزم بموجبه كافة البنوك والمصارف العاملة في المملكة بتقديم خطط سنوية مفصلة لتصفية العقارات التي آلت ملكيتها إليها نتيجة لتسوية مديونيات العملاء المتعثرين. ويهدف هذا الإجراء إلى ضمان عدم تحول البنوك إلى حائزين للعقارات على المدى الطويل، والحفاظ على سيولتها وتركيزها على أنشطتها المصرفية الأساسية.
يأتي هذا التعميم في سياق الدور المحوري الذي يلعبه البنك المركزي السعودي كجهة تنظيمية وإشرافية عليا على القطاع المالي في المملكة. فـ “ساما” مسؤول عن صياغة وتنفيذ السياسة النقدية، والإشراف على البنوك والمؤسسات المالية لضمان سلامتها ومتانتها، وحماية حقوق المتعاملين. وتاريخيًا، سعت البنوك المركزية حول العالم إلى وضع أطر تنظيمية تمنع البنوك التجارية من الاحتفاظ بأصول غير سائلة لفترات طويلة، خاصة العقارات، لتجنب المخاطر التي قد تنجم عن تقلبات السوق العقاري وتأثيرها على الميزانيات العمومية للبنوك، وهو درس استُخلص من الأزمات المالية العالمية التي شهدت تدهورًا في جودة أصول البنوك بسبب انكشافها المفرط على العقارات.
وبناءً على نظام البنك المركزي السعودي ونظام مراقبة البنوك، أكد “ساما” على ضرورة تصفية أي عقار يمتلكه البنك وفاءً لدين له قبل الغير، ولا يكون لازمًا لإدارة أعماله أو سكن موظفيه أو الترفيه عنهم، وذلك خلال مدة لا تتجاوز ثلاث سنوات من تاريخ أيلولة العقار إليه. ويُعد هذا الإطار الزمني حاسمًا لضمان سرعة التصرف في هذه الأصول وتحويلها إلى سيولة يمكن إعادة استثمارها في الأنشطة المصرفية الأساسية.
متطلبات التصفية والتقارير الدورية
شدد التعميم على البنوك إعداد خطط تصفية وفق النموذج المعتمد، على أن تكون هذه الخطط محدثة سنويًا وشاملة لجميع العقارات المكتسبة. ويجب أن تتضمن هذه الخطط العقارات التي شارفت فترة الاحتفاظ النظامية لها على الانتهاء، أو المطلوب تمديد مدة الاحتفاظ بها ضمن الأطر المسموح بها، بالإضافة إلى العقارات التي لا تزال ضمن الفترة النظامية البالغة ثلاث سنوات. ويجب تقديم هذه الخطط خلال مدة لا تتجاوز 30 يومًا من نهاية كل سنة ميلادية.
ولضمان الشفافية والامتثال، اشترط التعميم أن تخضع الخطط لمراجعة دقيقة من قبل إدارة المراجعة الداخلية في كل بنك، وأن تُعتمد من مجالس إدارات البنوك. كما يلزم التعميم البنوك بإرفاق تقارير المراجعة وقرارات مجلس الإدارة عند رفع الخطط إلى البنك المركزي، على أن تُشارك هذه الخطط مع الإدارة العامة للتراخيص البنكية. وأكد “ساما” عدم قبول أي طلبات فردية لتمديد فترة الاحتفاظ بالعقارات، والاكتفاء بالخطة السنوية الموحدة المقدمة لهذا الغرض.
إضافة إلى الخطط السنوية، ألزم التعميم البنوك بتزويد البنك المركزي ببيان تفصيلي عن العقارات التي آلت ملكيتها مقابل تسوية المديونيات، وذلك خلال 30 يومًا من نهاية (منتصف) كل سنة ميلادية، وفق النموذج المعتمد. تُرسل هذه البيانات إلى الإدارة العامة للإشراف والتفتيش البنكي، مما يوفر لـ “ساما” رؤية شاملة ومستمرة لحجم ونوعية هذه الأصول.
الأهمية والتأثير على القطاع المالي والاقتصاد
تكتسب هذه التوجيهات أهمية بالغة على عدة مستويات. فعلى الصعيد المحلي، تساهم في تعزيز جودة الأصول المصرفية وتقليل حجم القروض المتعثرة، مما يقوي المراكز المالية للبنوك ويحسن من قدرتها على الإقراض ودعم النمو الاقتصادي. كما أن تصفية العقارات المكتسبة تضمن عدم تحول البنوك إلى لاعبين رئيسيين في السوق العقاري، مما يحافظ على تركيزها على دورها الأساسي كوسيط مالي. ومن شأن هذه الإجراءات أن تزيد من سيولة البنوك، مما يمكنها من الاستجابة بفعالية أكبر لاحتياجات السوق.
أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فإن التزام المملكة بهذه المعايير يعكس حرصها على تطبيق أفضل الممارسات العالمية في الرقابة المصرفية، بما يتماشى مع مبادئ بازل للرقابة المصرفية التي تركز على إدارة المخاطر وتعزيز الاستقرار المالي. وهذا بدوره يعزز ثقة المستثمرين الأجانب في متانة وشفافية القطاع المصرفي السعودي، ويدعم أهداف رؤية السعودية 2030 الرامية إلى بناء اقتصاد مزدهر ومتنوع وقطاع مالي رائد.
واختتم البنك المركزي السعودي تعميمه بالتأكيد على أهمية تصفية العقارات خلال المدة النظامية والالتزام الصارم بالأنظمة والتعليمات ذات العلاقة، مشيرًا إلى أن هذا التعميم يحل محل التعليمات السابقة، وسيتم تزويد البنوك بالنماذج المعتمدة عبر البريد الإلكتروني. هذه الخطوة تؤكد على التزام “ساما” بتحديث أطره التنظيمية بما يخدم مصالح القطاع المالي والاقتصاد الوطني ككل.


