spot_img

ذات صلة

السفير السعودي: الحكومة اليمنية تعود لعدن بدعم شامل

في تصريحات هامة تعكس التزام المملكة العربية السعودية بدعم استقرار اليمن وشرعيته، أكد السفير السعودي لدى اليمن، محمد آل جابر، أن الحكومة اليمنية الشرعية تستعيد تدريجياً زمام الأمور وستعود قريباً إلى العاصمة المؤقتة عدن، وذلك في إطار سعيها الحثيث لخدمة المواطن اليمني وتلبية احتياجاته الأساسية.

خلال حوار شامل أجرته قناة “العربية” يوم الجمعة، شدد السفير آل جابر على أن الحوار الجنوبي، الذي يهدف إلى توحيد الصفوف وتعزيز التوافق بين المكونات الجنوبية، يحظى بدعم مباشر وكبير من القيادة السعودية. وأشار إلى أن هذا الدعم يتجسد في الاجتماعات المستمرة والتنسيق الوثيق بين اللجان المشتركة من المملكة واليمن، بهدف تحقيق مصالحة شاملة تخدم مستقبل اليمن.

وفي سياق متصل، كشف آل جابر عن تقدم ملحوظ في الترتيبات الجارية لإعداد اللجنة التحضيرية للحوار الجنوبي المفتوح، مؤكداً على مبدأ الشمولية وعدم الإقصاء أو التمييز لأي شخصية أو مكون جنوبي. وأوضح أن التواصل مستمر ومكثف مع مختلف القيادات والشخصيات الجنوبية الفاعلة، بهدف إطلاق المرحلة الأولى من التحضير لهذا الحوار الوطني الهام، الذي يُعول عليه في بناء مستقبل مستقر للجنوب اليمني.

وأكد السفير السعودي حرص القيادة السعودية الراسخ على مواصلة تقديم الدعم اللامحدود للأشقاء في اليمن، وتمكين الحكومة الشرعية من الاضطلاع بمسؤولياتها وواجباتها تجاه المواطنين. ووصف الظروف الاقتصادية الراهنة في اليمن بأنها “شديدة الصعوبة”، مشيراً إلى التحديات الجسيمة التي تواجهها البلاد، أبرزها تعذر تصدير النفط وتراجع إيرادات الدولة بأكثر من 60%، مما أثر سلباً على قدرة الحكومة على دفع الرواتب وتوفير الخدمات الأساسية الضرورية للمواطنين.

وتطرق آل جابر إلى معاناة البنك المركزي اليمني من نقص حاد في الودائع المالية، وهو ما استدعى استجابة سريعة من المملكة العربية السعودية، تمثلت في وضع استراتيجية سعودية شاملة ومتكاملة تهدف إلى دعم الاقتصاد اليمني وإنعاشه.

وكشف السفير أن المملكة عملت بشكل وثيق مع الحكومة اليمنية لمعالجة مشكلة عدم دفع الرواتب المتأخرة لمدة أربعة أشهر، مشيراً إلى أن الحكومة بدأت بالفعل في اتخاذ خطوات جادة لإزالة هذه العوائق. ومع ذلك، فإن التطورات الأخيرة للأحداث في حضرموت قد أثرت سلباً على وضع آلية فعالة ومستدامة لحل المسائل الاقتصادية المعقدة.

وأكد آل جابر استمرارية الدعم الاقتصادي السعودي لليمن في الفترة القادمة، مشدداً على أن الدعم السابق كان كبيراً ومركزاً على مجالات التنمية والإعمار. وأعلن عن توجيه ملكي بتقديم دعم للميزانية والرواتب بقيمة 90 مليون دولار أمريكي، مشيراً إلى أن صرف جزء من الرواتب المتأخرة سيبدأ الأسبوع القادم، وفقاً لما أفادت به الحكومة اليمنية.

وأوضح السفير أن الدعم السعودي المستقبلي سيركز على محاور رئيسية تشمل دعم الاقتصاد اليمني بشكل عام، وبناء القدرات المؤسسية في مختلف القطاعات. ويتضمن ذلك تطوير الإيرادات الحكومية، وتعزيز إدارة الدولة من خلال توظيف التقنيات الحديثة، وتقديم دعم مباشر وغير مباشر للميزانية، بالإضافة إلى حماية قيمة العملة اليمنية من التدهور. وأكد أن هذه الإجراءات ستسهم بشكل مباشر في توفير مشتقات النفط اللازمة لتشغيل محطات الكهرباء في مختلف المحافظات اليمنية، مما يخفف من معاناة المواطنين.

وفي الجانب الأمني والعسكري، أكد آل جابر أن المملكة العربية السعودية تواصل دعمها للشرعية اليمنية، وذلك من خلال حماية المدن والمناطق المحررة من سيطرة الميليشيات، ومكافحة الإرهاب في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية، مشيراً إلى الجهود الكبيرة المبذولة في هذا الصدد لضمان الأمن والاستقرار.

وأشار إلى أن المرحلة القادمة ستشهد دعماً اقتصادياً كبيراً ومتنوعاً، يتجاوز مجرد تقديم المساعدات المالية المباشرة. وسيشمل هذا الدعم توظيف القدرات السعودية والدولية، بالتعاون مع مؤسسات دولية مرموقة مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، لمساندة الحكومة اليمنية في بناء إمكاناتها الذاتية ومعالجة الاختلالات الاقتصادية والمالية الهيكلية.

وشدد آل جابر على أن الدعم الاقتصادي السعودي للفترة القادمة سيكون مختلفاً وجوهرياً عن الماضي، حيث لن يقتصر على الدعم المالي فحسب، بل سيتنوع ليشمل توظيف الخبرات والقدرات السعودية والدولية لمساعدة الحكومة اليمنية في بناء قدراتها المؤسسية، بهدف توفير الخدمات الأساسية للمواطنين ومعالجة الاختلالات الاقتصادية والمالية بشكل مستدام.

واختتم السفير تصريحاته بالتأكيد على حجم المعاناة الكبيرة التي يواجهها الشعب اليمني، مجدداً التزام المملكة العربية السعودية بالوقوف إلى جانبهم ومواصلة دعمهم. وأشار إلى أن المملكة تعمل على كافة المسارات – الاقتصادية، الأمنية، العسكرية، والتنموية – في إطار استراتيجية شاملة تهدف إلى دعم الاستقرار وتحسين جودة حياة الإنسان اليمني في جميع أنحاء البلاد.

السياق العام والخلفية التاريخية للحدث

يأتي هذا الإعلان في ظل صراع يمني مستمر منذ عام 2014، والذي تصاعد بشكل كبير في عام 2015، دافعاً بالبلاد إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. فبعد سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء، اضطرت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً إلى الانتقال، لتتخذ من عدن عاصمة مؤقتة لها. وقد أدى هذا التحول إلى تفتيت البلاد بشكل أكبر، وخلق ديناميكيات سياسية وعسكرية معقدة. وتلعب المملكة العربية السعودية دوراً محورياً في هذا الصراع، حيث تقود تحالفاً يدعم الحكومة اليمنية الشرعية ضد المتمردين الحوثيين. وإلى جانب التدخل العسكري، كانت المملكة من أكبر المانحين للمساعدات الإنسانية والتنموية لليمن. وتعتبر الجهود الحالية لتسهيل عودة الحكومة إلى عدن ودعم الحوار الجنوبي خطوات حاسمة نحو ترسيخ السلطة الشرعية وتعزيز المصالحة الداخلية، خاصة بعد اتفاق الرياض عام 2019 الذي هدف إلى توحيد الفصائل المختلفة تحت مظلة الحكومة الشرعية. لقد دمر الصراع الاقتصاد اليمني، حيث أدى توقف صادرات النفط، التي كانت المصدر الرئيسي للإيرادات الوطنية، إلى جانب تدمير البنية التحتية وتعطيل طرق التجارة، إلى تدهور اقتصادي حاد. وقد نتج عن ذلك انتشار الفقر وانعدام الأمن الغذائي وانهيار الخدمات العامة، بما في ذلك الرعاية الصحية والتعليم، مما يجعل الدعم الدولي أمراً لا غنى عنه.

أهمية الحدث وتأثيره المتوقع

تُعد عودة الحكومة اليمنية إلى عدن خطوة محورية نحو استعادة مؤسسات الدولة وتحسين الحوكمة. ومن المتوقع أن تعزز هذه الخطوة قدرة الحكومة على تقديم الخدمات الأساسية، ودفع رواتب الموظفين المدنيين، وإدارة الاقتصاد بفعالية أكبر. كما يمكن أن تدعم هذه الخطوة الثقة العامة وتوفر مساراً أوضح للتعافي الوطني والاستقرار، مما يمنح الأمل لملايين اليمنيين الذين يكافحون يومياً. ومن شأن الحوار الجنوبي، إذا ما تكلل بالنجاح، أن يوحد الفصائل الجنوبية، ويقلل من الصراعات الداخلية، ويعزز موقف الحكومة ضد الحوثيين.

أما على الصعيد الإقليمي، فإن استقرار اليمن يمثل أولوية قصوى للمملكة العربية السعودية ومنطقة الخليج الأوسع. فاليمن المستقر من شأنه أن يقلل من التهديدات العابرة للحدود، ويؤمن ممرات الشحن الحيوية في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، ويحد من الصراعات بالوكالة الإقليمية. وتؤكد استراتيجية الدعم الشاملة للمملكة التزامها بالأمن الإقليمي ودورها كلاعب رئيسي في حل الأزمة اليمنية، بهدف منع المزيد من زعزعة الاستقرار التي قد تمتد إلى الدول المجاورة.

وعلى الصعيد الدولي، لطالما كان المجتمع الدولي قلقاً بشأن الكارثة الإنسانية في اليمن. وتعتبر الجهود المبذولة لتحقيق استقرار الحكومة والاقتصاد، بدعم من المملكة العربية السعودية وهيئات دولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، حيوية للتخفيف من المعاناة الإنسانية. ويمكن لليمن الأكثر استقراراً أن يسهل أيضاً جهود مكافحة الإرهاب الدولية، حيث غالباً ما تصبح المساحات غير الخاضعة للحكم ملاذاً للجماعات المتطرفة. وفي نهاية المطاف، تُعد هذه الخطوات حاسمة لتمهيد الطريق لحل سياسي دائم وإنهاء صراع كانت له تداعيات عالمية مدمرة.

spot_imgspot_img