spot_img

ذات صلة

السعودية: لجنة دائمة لمتابعة الأسبستوس وحماية الصحة العامة | حظر الأسبستوس

في خطوة حاسمة نحو تعزيز الصحة العامة وحماية البيئة، وافق مجلس الوزراء السعودي مؤخراً على تشكيل لجنة دائمة متخصصة لمتابعة كافة الجوانب المتعلقة بمادة الأسبستوس الخطرة. يأتي هذا القرار ليؤكد التزام المملكة الراسخ بمعايير السلامة الدولية ويعزز الجهود الوطنية المبذولة لحظر هذه المادة المسرطنة بشكل كامل. هذا التطور ليس بمعزل عن تاريخ طويل من الإجراءات الوقائية، حيث يمثل امتداداً لقرارات سابقة أصدرها المجلس في عامي 1418هـ (الموافق 1997م) و1421هـ (الموافق 2000م)، والتي نصت بوضوح على منع استخدام الأسبستوس واستيراده وتصديره وتصنيعه، بالإضافة إلى إلزامية استبداله في المباني وشبكات المياه، والتخلص الآمن منه وفقاً لأعلى المعايير البيئية والصحية.

تُعد مادة الأسبستوس، المعروفة أيضاً باسم “الحرير الصخري”، مجموعة من المعادن الليفية الطبيعية التي كانت تُستخدم على نطاق واسع في الماضي نظراً لخصائصها الفريدة، مثل مقاومتها العالية للحرارة والنار والمواد الكيميائية. وقد شاع استخدامها في صناعات البناء والعزل، وصناعة السيارات، وحتى في بعض المنتجات الاستهلاكية. بدأت المخاوف بشأن الأسبستوس بالظهور في أوائل القرن العشرين، وتزايدت الأدلة العلمية على خطورته بشكل كبير في النصف الثاني من القرن، مما دفع العديد من الدول والمنظمات الدولية، مثل منظمة الصحة العالمية (WHO) ومنظمة العمل الدولية (ILO)، إلى التحذير من مخاطره والدعوة إلى حظره تدريجياً. هذه الخلفية التاريخية العالمية شكلت دافعاً قوياً للمملكة العربية السعودية لتبني سياسات صارمة لحماية مواطنيها والمقيمين على أراضيها.

إن خطورة الأسبستوس تكمن في أليافه الدقيقة التي لا تُرى بالعين المجردة. عند تكسر المواد المحتوية على الأسبستوس أو تآكلها، تنطلق هذه الألياف في الهواء، وعند استنشاقها، تستقر في الرئتين مسببة أضراراً جسيمة لا تظهر أعراضها إلا بعد سنوات طويلة، قد تصل إلى عقود. تشمل الأمراض المرتبطة بالتعرض للأسبستوس تليف الرئة (الأسبستوسيس)، وهو مرض مزمن يؤدي إلى تندب أنسجة الرئة وصعوبة في التنفس، بالإضافة إلى سرطان الرئة وورم المتوسطة (Mesothelioma)، وهو نوع نادر وعدواني من السرطان يصيب بطانة الرئة أو البطن. هذه الأمراض لا تزال تشكل تحدياً صحياً عالمياً، خاصة في الدول التي تأخرت في حظر الأسبستوس أو التي لا تزال تتعامل مع مخلفاته.

تتولى عدة جهات حكومية في المملكة الإشراف على تنفيذ عمليات الإزالة والتخلص الآمن من الأسبستوس، بما في ذلك المركز الوطني للأرصاد، ووزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان، ووزارة الصحة، والهيئة العامة للبيئة. هذا التعاون متعدد القطاعات يضمن تطبيق أفضل الممارسات الدولية في التعامل مع هذه المادة، ويؤكد التزام المملكة بالتوجهات العالمية التي أثبتت خطورة الأسبستوس على الصحة والبيئة. كما أن تشكيل اللجنة الدائمة الجديدة يعزز التنسيق بين هذه الجهات ويضمن استمرارية المتابعة والتحديث للبروتوكولات والإجراءات.

إن أهمية هذا القرار تتجاوز الحدود المحلية، فهو يعكس التزام المملكة العربية السعودية بتحقيق أهداف التنمية المستدامة ورؤية 2030 التي تركز على جودة الحياة وحماية البيئة. على الصعيد المحلي، سيسهم هذا التشديد في حماية صحة العمال المعرضين للخطر، والمقيمين في المباني القديمة، والعاملين في قطاعات الهدم والبناء. إقليمياً ودولياً، تضع المملكة نفسها في مصاف الدول الرائدة في مجال حظر الأسبستوس والتخلص منه، مما يعزز مكانتها كشريك فعال في الجهود العالمية لمكافحة الأمراض المرتبطة بهذه المادة. كما أن تبادل الخبرات والمعرفة مع المنظمات الدولية والدول الأخرى سيساهم في تطوير حلول أكثر فعالية للتحديات المتبقية.

في الختام، يمثل قرار مجلس الوزراء بتشكيل لجنة دائمة لمتابعة الأسبستوس خطوة استراتيجية ومستقبلية تؤكد حرص القيادة على صحة وسلامة المجتمع. إنه استثمار في مستقبل خالٍ من الأمراض المرتبطة بالأسبستوس، ويعكس التزاماً لا يتزعزع بحماية الأجيال القادمة من مخاطر هذه المادة الصامتة والمدمرة.

spot_imgspot_img