spot_img

ذات صلة

السعودية توطن معالجة وتصنيع المعادن: رؤية 2030 وريادة عالمية

أكد معالي وزير الصناعة والثروة المعدنية، الأستاذ بندر بن إبراهيم الخريّف، أن استراتيجية التعدين في المملكة العربية السعودية ترتكز بشكل جوهري على توطين عمليات المعالجة والتصنيع للمعادن. وأشار معاليه إلى أن هذا التوجه ليس مجرد خيار استراتيجي فحسب، بل هو نابع من ميزة تنافسية فريدة تمتلكها المملكة، تتمثل في التكامل بين وفرة الموارد المعدنية الهائلة، ومصادر الطاقة الوفيرة، والموقع الجغرافي المتميز الذي يربط بين القارات الثلاث.

تأتي هذه التصريحات الهامة في إطار رؤية المملكة 2030 الطموحة، التي تهدف إلى تنويع مصادر الدخل الوطني وتقليل الاعتماد على النفط، حيث يُعد قطاع التعدين أحد الركائز الأساسية لتحقيق هذا التحول الاقتصادي الشامل. لطالما كانت المملكة رائدة عالمياً في قطاع الطاقة، والآن تسعى لتوسيع ريادتها لتشمل قطاع المعادن، مستفيدة من ثرواتها المعدنية الضخمة التي تقدر قيمتها بأكثر من 1.3 تريليون دولار أمريكي. إن توطين الصناعات التعدينية ليس فقط خطوة نحو الاكتفاء الذاتي، بل هو استثمار استراتيجي في المستقبل الصناعي للمملكة، وخلق فرص عمل نوعية ومستدامة للمواطنين.

جاء ذلك خلال مؤتمرٍ إعلامي عُقد في الرياض عقب اختتام أعمال الاجتماع الوزاري الدولي، ضمن النسخة الخامسة من مؤتمر التعدين الدولي، الذي يعد منصة عالمية رائدة لمناقشة مستقبل القطاع. وقد شهد المؤتمر مشاركة رفيعة المستوى من نائب الوزير لشؤون التعدين المهندس خالد بن صالح المديفر، ونائب رئيس مجموعة البنك الدولي للبنية التحتية فاليري ليفكوف، والرئيس التنفيذي للمجلس الدولي للتعدين والمعادن (ICMM) روهيتش داوان.

ربط التعدين بالصناعة: قيمة مضافة وتنمية مستدامة

وقال الوزير الخريّف: «مسمى الوزارة -وزارة الصناعة والثروة المعدنية- يعكس بوضوح توجه الدولة إلى ربط التعدين بالصناعة»، مؤكداً على أهمية تحويل المواد الخام إلى منتجات ذات قيمة مضافة أعلى. وكشف معاليه عن إنشاء منصة متخصصة لموازنة العرض والطلب لتحديد الاحتياجات المحلية من المعادن، إذ ستعمل المملكة على تصدير الفائض من بعض المعادن، بينما ستسد الفجوات في معادن أخرى حيوية للصناعات الوطنية. هذا التوجه سيساهم في بناء قاعدة صناعية متينة، وتطوير سلاسل إمداد محلية قوية، وتحفيز الابتكار والبحث والتطوير في مجالات التعدين والمعادن المتقدمة.

إن ربط التعدين بالصناعة يمثل نقلة نوعية في استغلال الموارد الطبيعية. فبدلاً من تصدير المواد الخام، تسعى المملكة إلى إضافة قيمة اقتصادية عالية من خلال معالجتها وتصنيعها محلياً. هذا النهج لا يعزز فقط الناتج المحلي الإجمالي، بل يخلق أيضاً آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة في مختلف التخصصات، من الهندسة والتعدين إلى التصنيع والخدمات اللوجستية، مما يدعم جهود توطين الوظائف ورفع مستوى المعيشة للمواطنين السعوديين.

المملكة تقود حوار التعدين العالمي

ونوّه الوزير الخريّف بالنمو القياسي في عدد الدول المشاركة في الاجتماع الوزاري الدولي، الذي قفز من 25 دولة في نسخته الأولى إلى أكثر من 100 دولة و59 منظمة دولية هذا العام، ما يؤكد على تحول المنتدى إلى منصة عالمية تقود قضية مستقبل التعدين والمعادن. على الصعيد الإقليمي والدولي، تعزز استراتيجية المملكة مكانتها كلاعب رئيسي في سوق المعادن العالمي. فمع تزايد الطلب العالمي على المعادن الحيوية اللازمة لتقنيات الطاقة النظيفة مثل السيارات الكهربائية والأجهزة الإلكترونية، يصبح دور المملكة في تأمين سلاسل الإمداد أكثر أهمية. إن استضافة مثل هذه المؤتمرات الدولية تؤكد على الدور القيادي للمملكة في تشكيل مستقبل قطاع التعدين العالمي، وتعزيز التعاون الدولي لمواجهة التحديات المشتركة.

من جانبه، تناول نائب الوزير لشؤون التعدين، المهندس خالد بن صالح المديفر، الأهمية الاستراتيجية للعناصر الأرضية النادرة، مؤكداً أنها أصبحت عصب الاقتصاد الحديث لدخولها في صناعات الروبوتات والسيارات الكهربائية والمغناطيس الدائم. وأشار إلى أن المملكة تعمل عبر «البرنامج الوطني للمعادن» لضمان توفر هذه المعادن للصناعات الوطنية، مما يعزز الأمن الاقتصادي والقدرة التنافسية للمملكة في الأسواق العالمية.

دعم التنمية الأفريقية وتحديات القطاع

وحول دعم التنمية في أفريقيا، أكد المديفر أن المملكة تعمل مع الشركاء الدوليين لإنشاء ممرات لوجستية وبنية تحتية شاملة للطاقة، والمياه، والنقل لتمكين الدول الأفريقية من استغلال ثرواتها المعدنية، إضافة إلى تحفيز عمليات الاستكشاف. هذا التعاون يعكس التزام المملكة بدعم التنمية المستدامة على الصعيد الإقليمي، وتعزيز الشراكات التي تعود بالنفع المتبادل.

من جانبها، أوضحت نائب رئيس مجموعة البنك الدولي، فاليري ليفكوف، أنها كشفت خلال الاجتماع الوزاري الدولي الخامس، عن إقرار استراتيجية جديدة تهدف إلى زيادة دعم البنك لقطاع المعادن بمقدار خمسة أضعاف خلال السنوات الخمس القادمة. مبينة أن هذه الاستراتيجية تهدف إلى تمكين الدول الغنية بالمعادن من تعظيم القيمة المضافة محليّاً عبر ثلاث ركائز هي تعزيز السياسات والحوكمة، والاستثمار المكثف في البنية التحتية الممكنة، وحشد رأس المال الخاص لسد الفجوة التمويلية الهائلة التي تقدر بـ500 مليار دولار.

وخلال المؤتمر الصحفي، استعرض الرئيس التنفيذي للمجلس الدولي للتعدين والمعادن (ICMM)، روهيتش داوان، تحدي القوى البشرية الذي يواجه قطاع التعدين، مشيراً إلى أن هناك حاجة لمضاعفة القوى العاملة من 3 إلى 5 مرات خلال العقدين القادمين. وأشاد بنجاح المملكة في تغيير الصورة الذهنية للقطاع وجذب الشباب إلى وظائف القطاع، مما يعكس جهودها في تطوير رأس المال البشري. وأوضح أن العمل جارٍ على «معيار تتبع النحاس» الجديد لسد الفجوات في المعايير الحالية وضمان موثوقية سلاسل الإمداد العالمية، وهو ما يتماشى مع التوجهات العالمية نحو الشفافية والاستدامة في قطاع التعدين.

spot_imgspot_img