spot_img

ذات صلة

السعودية: فحوصات طبية دورية للمهن الخطرة لسلامة العمال

في خطوة رائدة نحو تعزيز بيئة عمل آمنة ومستدامة، اعتمد معالي وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، رئيس المجلس الوطني للسلامة والصحة المهنية، لائحة تنظيم العمل في المهن ذات المخاطر العالية. يأتي هذا القرار الاستراتيجي في إطار جهود المملكة العربية السعودية المتواصلة لتطوير منظومة السلامة والصحة المهنية، ورفع مستوى الوقاية، وحماية العاملين في بيئات العمل التي تنطوي على مخاطر جسيمة.

تهدف اللائحة الجديدة إلى إرساء إطار تنظيمي متكامل وشفاف لتصنيف وترخيص المهن ذات المخاطر العالية، وتحديد المتطلبات الدقيقة لممارستها. هذا الإطار يمثل ركيزة أساسية للحد من إصابات العمل والأمراض المهنية التي قد تنجم عن طبيعة هذه المهن، وبالتالي تحسين جودة بيئة العمل في مختلف القطاعات الاقتصادية بالمملكة.

تُعرف اللائحة المهن ذات المخاطر العالية بوضوح، بأنها تلك المهن التي تنطوي طبيعة العمل فيها على مخاطر جسيمة أو محتملة قد تؤدي إلى إصابات خطيرة أو أمراض مهنية مزمنة. وتشمل هذه المخاطر أنواعاً متعددة مثل المخاطر الفيزيائية (كالضوضاء والحرارة والإشعاع)، والكيميائية (كالتعرض للمواد الخطرة)، والبيولوجية (كالتعامل مع الكائنات الدقيقة)، والميكانيكية (كالعمل مع الآلات الثقيلة). كما تحدد اللائحة مسؤوليات واضحة لأصحاب العمل والجهات المشغلة والعاملين أنفسهم، لضمان تطبيق أعلى معايير السلامة.

من أبرز ما نصت عليه اللائحة هو إلزام الجهات والمنشآت بتطبيق جميع الاشتراطات والمتطلبات التنظيمية، وعلى رأسها إجراء الفحوصات الطبية المهنية الشاملة. هذه الفحوصات لا تقتصر على ما قبل التعيين فحسب، بل تمتد لتشمل فحوصات دورية منتظمة أثناء مزاولة العمل. الهدف الأساسي هو التأكد المستمر من ملاءمة الحالة الصحية للعامل لطبيعة المهنة التي يمارسها، وذلك وفق تصنيف طبي معتمد يحدد أهلية العامل أو الحاجة إلى فرض قيود معينة، أو حتى منعه من الاستمرار في العمل في حال عدم تحقق متطلبات اللياقة المهنية الضرورية لسلامته وسلامة زملائه.

تأتي هذه المبادرة في سياق رؤية المملكة 2030 الطموحة، التي تولي اهتماماً بالغاً بتنمية رأس المال البشري وتحسين جودة الحياة، بما في ذلك توفير بيئات عمل آمنة ومحفزة. تاريخياً، شهدت العديد من الدول تطوراً تدريجياً في تشريعات السلامة والصحة المهنية، مدفوعة بالحاجة إلى حماية العمال وتقليل الخسائر البشرية والاقتصادية. هذا التوجه السعودي يتماشى مع أفضل الممارسات الدولية ومعايير منظمة العمل الدولية (ILO)، ويعكس التزام المملكة بالمعايير العالمية للعمل اللائق.

إن أهمية هذه اللائحة تتجاوز الجانب التنظيمي البحت؛ فهي تحمل تأثيراً عميقاً على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، ستسهم في خفض معدلات الحوادث والإصابات المهنية، مما يؤدي إلى تقليل التكاليف المترتبة على العلاج والتعويضات، وزيادة الإنتاجية والاستقرار في سوق العمل. كما أنها تعزز ثقة العاملين وتجذب الكفاءات للعمل في بيئات تتسم بالاحترافية والأمان. إقليمياً، يمكن أن تكون المملكة نموذجاً يحتذى به في المنطقة لتطوير تشريعات مماثلة، مما يرفع من مستوى السلامة المهنية في المنطقة ككل. دولياً، تعزز هذه الخطوة مكانة المملكة كدولة ملتزمة بحقوق العمال ومعايير السلامة العالمية.

وقد حددت اللائحة آلية دقيقة لتصنيف المهن ذات المخاطر العالية بناءً على معايير شاملة، تشمل طبيعة العمل، ومستوى التعرض للمخاطر، والإحصاءات المرتبطة بالحوادث والإصابات والوفيات المهنية، إضافة إلى نوعية المواد والعوامل الخطرة المستخدمة في بيئة العمل. وتضمنت قائمة تفصيلية بأنشطة ومجالات العمل المصنفة ضمن هذه المهن، مثل العمل في الأماكن المرتفعة والمغلقة، وعمليات الرفع والمناولة اليدوية، والتعامل مع الطاقة الكهربائية والميكانيكية، وحركة المركبات والمعدات في مواقع العمل، والعمل بالقرب من المعدات الهيدروليكية والهوائية ذات الضغط العالي، وغيرها من الأنشطة التي تتطلب اشتراطات وقائية خاصة ومعقدة.

كما أكدت اللائحة على مسؤولية صاحب العمل في توجيه العاملين ومتابعتهم المستمرة، وتوفير التدريب والتأهيل اللازمين لهم لرفع وعيهم بأساليب الوقاية، وضمان استخدامهم لوسائل الوقاية الشخصية المناسبة. ويجب على أصحاب العمل أيضاً الإبلاغ الفوري عن الحوادث وإصابات العمل والأمراض المهنية عبر المنصات المعتمدة، والتعاون الكامل مع الجهات المختصة في التحقيقات واتخاذ الإجراءات التصحيحية اللازمة لمنع تكرارها.

ولضمان العدالة والشفافية، نظمت اللائحة إجراءات الاعتراض على نتائج الفحوصات الطبية المهنية، من خلال عرض الحالة على لجنة طبية مختصة، مع إمكانية الاستعانة باستشاريين عند الحاجة، واتخاذ القرار النهائي بما يحقق سلامة العامل والآخرين دون الإخلال بحقوق أطراف العلاقة التعاقدية. وشددت اللائحة على عدم السماح للعامل بمزاولة المهنة في حال عدم تحقق متطلبات اللياقة المهنية، مع إلزام جهة العمل باتخاذ الإجراءات اللازمة لتغيير المهنة أو توفير التأهيل المناسب، وإعادة تقييم الحالة الصحية بشكل دوري للنظر في إمكانية عودته إلى مهنته الأصلية عند تحقق المتطلبات الصحية.

يأتي اعتماد هذه اللائحة كجزء لا يتجزأ من جهود وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية والمجلس الوطني للسلامة والصحة المهنية لتعزيز بيئة عمل آمنة ومنتجة، ورفع مستوى الامتثال للأنظمة، وتحقيق مستهدفات السلامة المهنية الطموحة في سوق العمل السعودية، بما يضمن حماية أغلى الموارد: العنصر البشري.

spot_imgspot_img