كشف وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، عن استراتيجية المملكة الطموحة للاستعداد لمرحلة ما بعد عام 2050، مؤكداً أن العمل جارٍ بالفعل على تطوير التعليم والمهارات، ومعالجة القضايا المجتمعية، وتنفيذ إصلاحات اقتصادية هيكلية عميقة. هذه الإصلاحات، التي قد تستغرق من 10 إلى 15 عاماً لتظهر عوائدها وآثارها بشكل كامل، تمثل جزءاً لا يتجزأ من رؤية السعودية طويلة الأمد لمستقبل مزدهر ومستدام.
جاءت تصريحات الجدعان خلال مشاركته في جلسة حوارية ضمن فعاليات البيت السعودي على هامش أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي 2026، حيث شدد على أهمية التركيز على الأولويات الاقتصادية الوطنية. وأوضح أن العالم يشهد “ضجيجاً كبيراً”، وأن الدول التي تنشغل بهذه الضوضاء وتغفل عن مسارها الاقتصادي ستواجه تحديات جمة. وأكد الجدعان على ضرورة الفصل بين إدارة الملفات السياسية الخارجية والتركيز المطلق على تنمية الاقتصاد الوطني ورفاهية المجتمع، مشيراً إلى أن المملكة تسعى لتكون نموذجاً يحتذى به في هذا التوجه، معتمدة على الحوار لحل النزاعات.
السياق العام والخلفية التاريخية: رؤية 2030 كمنطلق للمستقبل
تأتي هذه الاستعدادات لمرحلة ما بعد 2050 كامتداد طبيعي ومحوري لـ رؤية السعودية 2030، التي أطلقت في عام 2016 بهدف تحويل المملكة إلى قوة استثمارية رائدة ومركز عالمي يربط القارات الثلاث. لطالما اعتمد الاقتصاد السعودي بشكل كبير على النفط، لكن رؤية 2030 وضعت خارطة طريق واضحة لتنويع مصادر الدخل، وتنمية القطاعات غير النفطية، وتعزيز دور القطاع الخاص. هذه الرؤية الطموحة تركز على بناء اقتصاد معرفي مستدام، وتطوير رأس المال البشري من خلال الاستثمار في التعليم والتدريب، وتحسين جودة الحياة للمواطنين. إن التفكير في مرحلة ما بعد 2050 يعكس التزام القيادة السعودية الشابة، التي تنظر إلى مصالح الأجيال القادمة على مدى عقود، بضمان مستقبل مستقر ومزدهر يتجاوز الاعتماد على الموارد التقليدية ويتكيف مع المتغيرات العالمية المتسارعة، بما في ذلك التحولات المناخية والتقدم التكنولوجي.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع: بناء مستقبل مرن ومزدهر
إن التخطيط الاستراتيجي لمرحلة ما بعد 2050 يحمل أهمية قصوى وتأثيرات متعددة الأبعاد. محلياً، يهدف هذا التوجه إلى خلق فرص عمل جديدة ومستدامة للمواطنين السعوديين، وتعزيز الابتكار وريادة الأعمال، وتحسين جودة الخدمات العامة، مما ينعكس إيجاباً على مستوى المعيشة والرفاهية. كما يسهم في بناء مجتمع أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع التحديات المستقبلية غير المتوقعة، وهو ما أكده الجدعان مشيراً إلى قدرة الدول والشعوب على التكيف بدلاً من الانهيار خلال الأزمات السابقة. إقليمياً، تعزز هذه الخطوات مكانة السعودية كقوة اقتصادية رائدة ومحرك للتنمية في المنطقة، مما يمكن أن يلهم دولاً أخرى لتبني استراتيجيات مماثلة للتنويع والتنمية المستدامة، ويسهم في استقرار المنطقة عبر تعزيز الازدهار الاقتصادي. دولياً، تضع المملكة نفسها في مصاف الدول الرائدة التي تستشرف المستقبل وتعمل على بناء اقتصاد عالمي أكثر استدامة وتوازناً، بعيداً عن تقلبات أسواق الطاقة. هذا التوجه يجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ويعزز الشراكات الدولية في مجالات التقنية والطاقة المتجددة والصناعات المتقدمة، مما يجعل السعودية لاعباً محورياً في الاقتصاد العالمي الجديد.
وفي سياق متصل، تطرق الجدعان إلى دور المؤسسات المالية الدولية، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، مؤكداً أن الحديث عن تراجع أهميتهما “مجرد ضجيج”. وأشار إلى أن هذه المؤسسات لا تزال ملاذاً مهماً للدول حول العالم، سواء لدعم اقتصاداتها أو لدعم مناطقها، على الرغم من الحاجة المستمرة للإصلاحات لتعزيز فعاليتها وتكيفها مع التحديات العالمية الراهنة.


