في خطوة استراتيجية تعكس التزام المملكة العربية السعودية بتحقيق أهداف رؤيتها الطموحة 2030، أقر مجلس إدارة الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) القواعد العامة للاستخدام الثانوي للبيانات. تهدف هذه القواعد الرائدة إلى تعظيم الاستفادة من البيانات كأصل وطني حيوي، وخلق فرص تنموية واعدة، ودعم النمو الاقتصادي المستدام. يأتي ذلك من خلال إتاحة معالجة البيانات لأغراض أخرى غير تلك التي جُمعت من أجلها في الأصل، وبما يخدم المصلحة العامة، ويدفع عجلة البحث والتطوير والابتكار، كل ذلك بطريقة مسؤولة ومنضبطة تضمن حماية الحقوق والخصوصية.
يُعد هذا القرار تتويجاً لجهود المملكة في بناء اقتصاد رقمي مزدهر ومجتمع معرفي متقدم. ففي ظل رؤية 2030، التي تركز على تنويع مصادر الدخل وتعزيز الابتكار والتحول الرقمي، برزت أهمية البيانات كوقود أساسي للنمو. تأسست سدايا في عام 2019 لتكون المرجع الوطني للبيانات والذكاء الاصطناعي، ولتقود الأجندة الوطنية في هذا المجال الحيوي، مما يضع المملكة في طليعة الدول التي تستفيد من عصر البيانات والذكاء الاصطناعي. إن التوجه العالمي نحو اعتبار البيانات ثروة وطنية يتطلب أطراً تنظيمية واضحة لضمان استغلالها الأمثل مع الحفاظ على أمنها وخصوصيتها، وهو ما تسعى هذه القواعد لتحقيقه.
تمثل القواعد الجديدة إطاراً تنظيمياً شاملاً ومحكماً، يُمكّن الجهات الحكومية والخاصة من مشاركة البيانات بكفاءة وفعالية وفق ضوابط واضحة ومحددة. هذا الإطار يحقق التوازن الدقيق بين ضرورة الاستفادة القصوى من البيانات كرافعة للتنمية، وبين حمايتها وضمان خصوصيتها وأمنها. وتُعد هذه القواعد مكملة لسياسة مشاركة البيانات الصادرة عن الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي، مع إضفاء مزيد من الوضوح والشفافية على آليات مشاركة البيانات بين الجهات الحكومية، وكذلك بين القطاعين العام والخاص، مما يسهل التعاون ويعزز الثقة في المنظومة الرقمية للمملكة.
شملت القواعد تعريفاً واضحاً ومفصلاً لمفهوم «الاستخدام الثانوي للبيانات»، باعتباره استخدام البيانات لأغراض البحث العلمي أو التطوير التقني أو الابتكار أو تحقيق المصالح العامة التي تعود بالنفع على المجتمع ككل. كما حددت الوثيقة أطراف المشاركة بوضوح، ونطاق التطبيق الذي يشمل طلبات مشاركة البيانات بين الجهات الحكومية، أو بين الجهات الحكومية والخاصة، مع التأكيد على عدم الإخلال بالأنظمة واللوائح ذات الصلة المعمول بها في المملكة، مثل نظام حماية البيانات الشخصية.
حددت القواعد أهدافاً رئيسية متعددة، أبرزها تحفيز الجهات المختلفة على مشاركة البيانات بشكل استباقي، ودعم الاستراتيجيات الوطنية الطموحة، وتعزيز كفاءة العمل الحكومي من خلال اتخاذ قرارات مبنية على البيانات، وتحسين جودة اتخاذ القرار في جميع المستويات. إلى جانب ذلك، تهدف القواعد إلى تمكين الباحثين ورواد الأعمال والشركات الناشئة من الوصول إلى البيانات اللازمة لتنمية الابتكار وتطوير حلول جديدة للتحديات المجتمعية والاقتصادية، مما يعزز من قدرة المملكة على المنافسة عالمياً في الاقتصاد الرقمي.
تؤكد هذه المبادرة على التزام المملكة بتعزيز بيئة مواتية للابتكار الرقمي، حيث ستسهم هذه القواعد في تسريع وتيرة التحول الرقمي في القطاعات الحيوية مثل الصحة والتعليم والنقل والطاقة. فمن خلال إتاحة البيانات بشكل منظم ومسؤول، يمكن للمطورين والباحثين بناء تطبيقات وخدمات ذكية تسهم في تحسين جودة الحياة وتوفير حلول مبتكرة للمواطنين والمقيمين. محلياً، ستدعم هذه القواعد نمو الشركات الناشئة القائمة على البيانات، وتخلق فرص عمل جديدة في مجالات التقنية والذكاء الاصطناعي، مما يساهم مباشرة في تحقيق أهداف رؤية 2030 المتعلقة بتوطين التقنية وتنويع الاقتصاد.
أكدت الوثيقة على 6 مبادئ أساسية تحكم الاستخدام الثانوي للبيانات، في مقدمتها حماية الخصوصية والبيانات الشخصية للأفراد، والاستخدام المسؤول والأخلاقي للبيانات لضمان عدم إساءة استخدامها، وضمان جودتها ودقتها وأمنها من أي اختراقات أو تسريبات، مع تغليب المصلحة العامة على المصالح الأخرى الخاصة، والالتزام الصارم بالمتطلبات التنظيمية للأمن السيبراني لحماية البنية التحتية للبيانات. هذه المبادئ تعكس التزام المملكة بالمعايير الدولية في حوكمة البيانات، وتساهم في بناء الثقة اللازمة لازدهار الاقتصاد الرقمي.
كما وضعت القواعد آلية تفصيلية لتحديد ضوابط مشاركة البيانات، تضمنت اشتراط وجود غرض مشروع وغير ربحي في الأساس، والاكتفاء بالحد الأدنى من البيانات اللازمة لتحقيق الغرض المطلوب، والحصول على الموافقات النظامية اللازمة من الجهات المعنية، إضافة إلى تنظيم طلبات الجهات الخاصة والأفراد والباحثين، وربطها برخص استخدام واضحة وشفافة تراعي حقوق الملكية الفكرية والسرية التجارية للجهات المالكة للبيانات.
وبيّنت القواعد خطوات إجرائية واضحة لمشاركة البيانات للاستخدام الثانوي، وذلك من خلال منصة «سوق البيانات» الرقمية المتطورة أو عبر وسائل آمنة وموثوقة أخرى. وقد منحت القواعد أولوية للطلبات المرتبطة بتحقيق المصلحة العامة، وإتاحة آلية للتظلم أو طلب الرأي النظامي لدى مكتب إدارة البيانات الوطنية في حال وجود خلافات أو تحديات تتعلق بمشاركة البيانات، مما يضمن العدالة والشفافية في العملية.
تأتي هذه القواعد في إطار توجه وطني شامل لتعزيز حوكمة البيانات على مستوى المملكة، وتوسيع نطاق الاستفادة منها في دعم التنمية المستدامة، وبناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار. هذه الخطوة لا تعزز مكانة المملكة كمركز إقليمي رائد في مجال البيانات والذكاء الاصطناعي فحسب، بل تساهم أيضاً في بناء الثقة في البيئة الرقمية، وتجذب الاستثمارات الأجنبية في القطاعات القائمة على البيانات، مع الحفاظ على الحقوق النظامية وحماية مصالح الأفراد والجهات على حد سواء. إقليمياً ودولياً، تضع هذه القواعد المملكة في مصاف الدول المتقدمة في مجال حوكمة البيانات، مما يعزز من سمعتها كبيئة جاذبة للابتكار والاستثمار المسؤول.


