السعودية تعزز مكانتها في سباق التكنولوجيا العالمي
في خطوة استراتيجية تعكس طموحاتها الكبرى، أكدت المملكة العربية السعودية عزمها على اقتحام أحد أكثر القطاعات التقنية أهمية وحيوية في العالم، وذلك عبر استضافتها “منتدى أشباه الموصلات” في العاصمة الرياض. وشكّل المنتدى، الذي حظي بمشاركة واسعة من عمالقة التكنولوجيا العالميين وصناع القرار والمستثمرين، نقطة انطلاق حقيقية نحو بناء منظومة وطنية متكاملة لتصميم وتصنيع أشباه الموصلات، بما ينسجم مع أهداف رؤية السعودية 2030 لتنويع الاقتصاد وتحقيق السيادة الرقمية.
خلفية عالمية وسياق استراتيجي
يأتي هذا التوجه في وقت يشهد فيه العالم إدراكاً متزايداً للأهمية الاستراتيجية لأشباه الموصلات، التي تُعتبر “العقل المدبر” لجميع الأجهزة الإلكترونية الحديثة، من الهواتف الذكية والسيارات إلى مراكز البيانات وأسلحة الدفاع المتقدمة. وقد كشفت أزمة نقص الرقائق العالمية التي أعقبت جائحة كورونا عن هشاشة سلاسل الإمداد العالمية وخطورة الاعتماد على عدد محدود من الموردين. دفع هذا الواقع دولاً كبرى مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى ضخ عشرات المليارات من الدولارات لدعم صناعاتها المحلية. وفي هذا السياق، لا يُعد دخول المملكة هذا المجال مجرد خطوة اقتصادية، بل هو ضرورة استراتيجية لضمان أمنها التقني والاقتصادي في المستقبل.
منصة عالمية على أرض الرياض
لم يكن المنتدى مجرد حدث محلي، بل كان منصة عالمية جمعت تحت سقف واحد نخبة من الشركات الرائدة مثل كوالكوم (Qualcomm)، لينوفو (Lenovo)، وأمازون ويب سيرفيسز (AWS)، إلى جانب شركات متخصصة مثل EPIC Semi وUltraSense. ويعكس هذا الحضور الدولي الرفيع المستوى الثقة المتزايدة في البيئة الاستثمارية السعودية والاهتمام بالفرص الواعدة التي يطرحها هذا القطاع الناشئ في قلب الشرق الأوسط، مما يمهد الطريق لشراكات نوعية لنقل المعرفة وتوطين أحدث التقنيات.
دعوة لخطة وطنية طموحة بحلول 2030
كانت الكلمة الرئيسية للدكتور نويد شيرواني، الرئيس التنفيذي للمركز الوطني لأشباه الموصلات، بمثابة خارطة طريق، حيث دعا إلى إطلاق “خطة سعودية لتوطين أشباه الموصلات 2030”. شدد الدكتور شيرواني على أن الهدف ليس فقط بناء المصانع، بل تأسيس منظومة متكاملة تبدأ من التصميم والابتكار، مروراً بالتصنيع، وصولاً إلى بناء كفاءات وطنية قادرة على قيادة هذا القطاع. وأكد أن تقليل الاعتماد على سلاسل الإمداد الخارجية سيعزز من مرونة الاقتصاد الوطني ويحميه من التقلبات الجيوسياسية العالمية.
محاور استراتيجية وتأثير متعدد الأبعاد
ناقشت جلسات المنتدى محاور جوهرية لبناء هذه الصناعة، شملت تطوير المحتوى المحلي، وتمكين التصنيع المتقدم، وتنمية رأس المال البشري عبر برامج تعليمية وتدريبية متخصصة. إن نجاح المملكة في هذا المسعى لن يقتصر تأثيره على قطاع التقنية فحسب، بل سيمتد ليكون محركاً أساسياً لقطاعات أخرى ضمن رؤية 2030، مثل الذكاء الاصطناعي، ومشاريع المدن الذكية كـ “نيوم”، وتطوير قطاع الطاقة المتجددة، والصناعات العسكرية المتقدمة. فعلى المستوى الإقليمي، ستعزز هذه الخطوة مكانة المملكة كمركز تقني رائد في الشرق الأوسط، بينما على الصعيد الدولي، ستضعها كلاعب جديد وموثوق في خريطة سلاسل القيمة العالمية لأشباه الموصلات.
شراكات نحو سيادة رقمية مستدامة
يُجسد المنتدى التزام المملكة الراسخ بتحقيق السيادة الرقمية، ويمثل خطوة عملية نحو بناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار. ومن خلال تفعيل الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وجذب الاستثمارات العالمية، وتأهيل الكوادر الوطنية، تسير السعودية بخطى ثابتة لتصبح قوة مؤثرة في صناعة المستقبل.


