في خطوة تعكس التزام المملكة العربية السعودية الراسخ تجاه استقرار المنطقة، شارك نائب وزير الخارجية المهندس وليد بن عبدالكريم الخريجي، نيابة عن وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان بن عبدالله، اليوم، في الاجتماع التشاوري الخامس الهام حول تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان. استضافت العاصمة المصرية القاهرة هذا الاجتماع، الذي يمثل محطة جديدة في المساعي الإقليمية والدولية لوضع حد للنزاع الدائر في السودان.
خلال كلمته، جدد نائب وزير الخارجية التأكيد على أن استقرار السودان يمثل أولوية قصوى للمملكة. وشدد على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، والحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية من الانهيار، وصون وحدة السودان وسلامة أراضيه ومقدراته. وأوضح الخريجي أن الحل الأمثل للأزمة هو حل سياسي سوداني-سوداني ينبع من الداخل، ويقوم على احترام سيادة ووحدة السودان، ويدعم مؤسساته الشرعية. وأشار إلى أن المملكة تواصل جهودها الدبلوماسية الحثيثة لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة، بهدف التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار ينهي الأزمة الإنسانية المتفاقمة ويرفع المعاناة عن الشعب السوداني الشقيق.
وأعرب الخريجي عن حرص المملكة على عودة الحوار السياسي الفعال، مستنداً إلى إعلان جدة للالتزام بحماية المدنيين في السودان، الذي تم التوقيع عليه بتاريخ 11 مايو 2023، وكذلك اتفاقية وقف إطلاق النار قصير الأمد والترتيبات الإنسانية الموقعة بتاريخ 20 مايو 2023 بين طرفي النزاع. هذه الاتفاقيات تمثل أسساً مهمة يمكن البناء عليها لتحقيق سلام مستدام.
تأتي هذه الجهود السعودية في ظل أزمة إنسانية وسياسية عميقة يمر بها السودان منذ اندلاع الاشتباكات بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في منتصف أبريل 2023. وقد أدت هذه الاشتباكات إلى تدهور سريع في الأوضاع الأمنية والإنسانية، مخلفة آلاف القتلى والجرحى وملايين النازحين واللاجئين. يمثل الصراع الحالي انتكاسة كبيرة لمسار الانتقال الديمقراطي الذي كان يطمح إليه السودانيون بعد سقوط النظام السابق، حيث أثر بشكل مباشر على البنية التحتية، الخدمات الأساسية، والاقتصاد الوطني. وقد شهدت الفترة التي سبقت النزاع محاولات متعددة لتشكيل حكومة مدنية انتقالية، لكن الخلافات بين المكونات العسكرية والمدنية، ثم بين المكونات العسكرية نفسها، أدت إلى هذا التصعيد المؤسف.
إن استمرار الحرب في السودان لا يهدد استقرار السودان فحسب، بل يشكل تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي والدولي. فموقع السودان الاستراتيجي على البحر الأحمر وفي قلب منطقة القرن الأفريقي يجعله نقطة محورية. يمكن أن تؤدي تداعيات الصراع إلى زعزعة استقرار الدول المجاورة مثل مصر وتشاد وإثيوبيا وجنوب السودان، عبر تدفق اللاجئين وتصاعد الأنشطة غير المشروعة. كما أن أمن البحر الأحمر، وهو ممر ملاحي حيوي للتجارة العالمية، يتعرض للخطر جراء أي تصعيد إقليمي. على الصعيد الإنساني، يواجه السودان واحدة من أسوأ الأزمات في العالم، مع نقص حاد في الغذاء والدواء والمأوى، مما يستدعي استجابة دولية عاجلة ومنسقة.
وفي هذا السياق، أشار نائب وزير الخارجية إلى أن استمرار الحرب وتداعياتها يمثل تهديداً للاستقرار في المنطقة بأسرها. وشدد على رفض المملكة التام لأي خطوة تهدف إلى تأسيس تحالفات أو تشكيل حكومات موازية للحكومة السودانية الشرعية، مثل إعلان تحالف تأسيس. واعتبر أن مثل هذه الخطوات تعيق الجهود القائمة لحل الأزمة، وتشكل تهديداً صريحاً لوحدة السودان وسيادته، وتعرض الأمن الإقليمي وأمن البحر الأحمر للخطر. وأكد أن إعلان كيانات موازية خارج إطار المؤسسات الشرعية يثير القلق ويعطل المسار السياسي الهادف إلى حل الأزمة.
ونوه الخريجي إلى أن منع التدخلات الخارجية ووقف الدعم الخارجي عبر السلاح غير الشرعي والمقاتلين الأجانب، هو أمر ملح وضروري لتحقيق وقف إطلاق النار وتسهيل العمليات الإنسانية. ودعا إلى فتح الممرات الآمنة لتسهيل وصول المساعدات الإنسانية بشكل عاجل، مجدداً ترحيب المملكة بخطوة الحكومة السودانية فتح معبر (أدري) الحدودي، الذي يعد شرياناً حيوياً لإيصال الإغاثة للمتضررين.
تؤكد مشاركة المملكة العربية السعودية الفاعلة في هذه الاجتماعات التشاورية على دورها المحوري كشريك إقليمي يسعى بجد لتحقيق السلام والاستقرار في السودان، إيماناً منها بأن استقرار السودان هو جزء لا يتجزأ من استقرار المنطقة ككل.


