تشهد المنطقة تحولات دبلوماسية متسارعة، تضع المملكة العربية السعودية في طليعة الجهود الرامية لإعادة صياغة المشهد الإقليمي. في هذا السياق، تبرز قضية العلاقات مع سوريا كملف محوري، حيث تتجه الأنظار نحو إمكانية تطبيع العلاقات ورفع العزلة الإقليمية التي فرضت على دمشق لأكثر من عقد من الزمان. هذا التوجه الجديد يعكس استراتيجية سعودية أوسع نطاقاً تركز على التهدئة وتعزيز الاستقرار الإقليمي.
السياق التاريخي لعزلة سوريا
بدأ تدهور العلاقات العربية مع سوريا بشكل حاد في عام 2011، مع اندلاع الأزمة السورية وتحولها إلى صراع مسلح واسع النطاق. حينها، اتخذت جامعة الدول العربية قراراً بتعليق عضوية سوريا في نوفمبر 2011، رداً على القمع العنيف للاحتجاجات. تبع ذلك سحب العديد من الدول العربية، بما في ذلك المملكة العربية السعودية، لسفرائها من دمشق وقطع العلاقات الدبلوماسية. على مدى السنوات العشر التالية، ظلت سوريا معزولة إقليمياً ودولياً، مع استمرار الصراع وتداعياته الإنسانية والاقتصادية المدمرة.
كانت المملكة العربية السعودية من أبرز الداعمين للمعارضة السورية في مراحل مبكرة من الصراع، ورأت في النظام السوري حليفاً لإيران، وهو ما يتعارض مع مصالحها الإقليمية. هذه الفترة شهدت تباعداً كبيراً في المواقف السياسية، وتصاعداً في التوترات الجيوسياسية في المنطقة.
التحولات الإقليمية ودوافع التقارب
في السنوات الأخيرة، بدأت ملامح تغيير تظهر في المشهد الإقليمي. عدد من الدول العربية، مثل الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان، أعادت فتح قنوات الاتصال مع دمشق، في إشارة إلى رغبة متزايدة في إنهاء عزلة سوريا. جاءت القمة العربية في جدة في مايو 2023 لتشكل نقطة تحول حاسمة، حيث تم الترحيب بعودة سوريا إلى جامعة الدول العربية بعد تعليق دام 12 عاماً. هذا القرار الجماعي عكس إجماعاً عربياً على ضرورة التعامل مع الواقع السوري الجديد.
بالنسبة للمملكة العربية السعودية، فإن الدوافع وراء هذا التقارب متعددة الأوجه. أولاً، هناك رغبة استراتيجية في تعزيز الاستقرار الإقليمي والحد من النزاعات. ثانياً، تسعى الرياض إلى مواجهة النفوذ الإيراني المتزايد في المنطقة، وترى أن إعادة دمج سوريا في الحضن العربي قد يقلل من اعتماد دمشق على طهران. ثالثاً، هناك مخاوف متزايدة بشأن قضايا مثل تهريب المخدرات، وخاصة الكبتاغون، من سوريا إلى دول الجوار، وهو ما يتطلب تعاوناً أمنياً مباشراً. رابعاً، تدرك السعودية أهمية معالجة الأزمة الإنسانية في سوريا وتسهيل عودة اللاجئين، وهو ما يتطلب حلاً سياسياً شاملاً.
التأثيرات المتوقعة والتحديات المستقبلية
إن تطبيع العلاقات السعودية السورية، وما يتبعه من رفع محتمل للعقوبات الإقليمية، يمكن أن يكون له تأثيرات عميقة على عدة مستويات. على الصعيد الإقليمي، قد يساهم في تخفيف حدة التوترات، وفتح الباب أمام حلول سياسية لأزمات أخرى في المنطقة. كما يمكن أن يعزز الجهود المشتركة لمكافحة الإرهاب وإعادة الإعمار. على الصعيد الإنساني، قد يسهل وصول المساعدات ويخلق بيئة أفضل لعودة اللاجئين.
ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات كبيرة. العقوبات الدولية، وخاصة قانون قيصر الأمريكي، لا تزال سارية وتحد من قدرة الدول على الانخراط الاقتصادي الكامل مع سوريا. كما أن هناك حاجة ملحة لإحراز تقدم في المسار السياسي السوري، بما في ذلك إصلاحات داخلية ومعالجة قضايا العدالة والمصالحة. إن إعادة بناء الثقة بين الأطراف المختلفة ستكون عملية طويلة ومعقدة.
في الختام، يمثل التحول في الموقف السعودي تجاه سوريا خطوة مهمة نحو إعادة تشكيل الديناميكيات الإقليمية. إنه يعكس رؤية جديدة تسعى إلى البراغماتية والتهدئة، مع الأمل في تحقيق استقرار أوسع في منطقة الشرق الأوسط.


