ليس الجوار الجغرافي مجرّد تماسٍّ حدودي، بل علاقة تاريخ ومسؤولية ومصير مشترك. في منطقة الشرق الأوسط، تتجاوز الروابط بين الدول الجغرافيا لتشمل نسيجاً معقداً من العلاقات التاريخية والثقافية والاقتصادية. وحين تضطرب البوصلة في لحظة سياسية حسّاسة، يصبح العقل واجباً أخلاقياً واستراتيجياً، لا خياراً نظرياً، لضمان استقرار المنطقة ورفاهية شعوبها.
حماية الاستقرار ومنع الانزلاق إلى الفوضى
في المسار الذي يجمع اليمن بالمملكة العربية السعودية، تتجلى هذه العلاقة في أبهى صورها. فالعلاقات السعودية اليمنية ضاربة في عمق التاريخ، وتشمل أبعاداً اجتماعية واقتصادية وثقافية متجذرة. لا مجال للخطأ العاطفي أو الاندفاع غير المحسوب؛ لأن كلفة التهور لا تُدفع بشعارات حماسية، بل تُدفع أمناً ومعيشةً واستقراراً لملايين البشر. إنّ ما يجري اليوم من تحركات غير منضبطة في محافظتي حضرموت والمهرة، وهما من أهم المحافظات اليمنية استراتيجياً، لا يمكن قراءته خارج هذا السياق الحساس.
تتمتع حضرموت والمهرة بموقع جغرافي حيوي، حيث تطلان على بحر العرب وتتشاركان الحدود مع سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية، مما يمنحهما أهمية استراتيجية كبرى. كما أنهما تتميزان بموارد طبيعية واعدة، بما في ذلك النفط والغاز، وتعتبران بوابتين بحريتين هامتين. إن استقرارهما يشكل صمام أمان ليس لليمن فحسب، بل للمنطقة بأسرها، وأي عبث بأمنهما هو عبث بالجميع.
فالمملكة العربية السعودية، بحكم موقعها ودورها الإقليمي كقوة استقرار رئيسية، لا تتحرّك بدافع الهيمنة أو الوصاية، بل من منطلق حماية الاستقرار الإقليمي ومنع انزلاق الجغرافيا اليمنية إلى فوضى إضافية. هذه الفوضى ستُضاف إلى سجلٍ مثقل أصلاً بالانقسامات والحروب التي عصفت باليمن منذ عام 2014، عندما سيطرت جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء، مما دفع بالمملكة لقيادة تحالف دعم الشرعية استجابة لطلب الحكومة اليمنية الشرعية.
المشهد اليمني، للأسف، ما زال عرضة لانفعالات سياسية تتغذّى على العاطفة أكثر مما تستند إلى قراءة متأنية للواقع المعقد. حبٌّ مفرط يتحوّل إلى تهوّر، وغضبٌ غير محسوب ينتهي بخسارة لا يعترف بها أحد. غير أنّ السياسة، كما الفلسفة، لا تُدار بمنطق النوايا الحسنة فحسب، بل بمنطق النتائج الملموسة. والمملكة، في موقفها الأخير، تنطلق من هذا المنطق تحديداً: منع النتائج الكارثية قبل وقوعها، والحفاظ على ما تبقى من مقومات الدولة اليمنية.
كبح الانهيار الشامل ودعم الحياة اليومية
الحقيقة التي لا يجوز القفز عليها، هي أنّ شريان الحياة اليومي لملايين اليمنيين يرتبط ارتباطاً مباشراً بالمملكة العربية السعودية. ليس ذلك منّةً أو ادّعاء فضل، بل واقع اقتصادي واجتماعي وإنساني لا يمكن إنكاره. فمن تحويلات المغتربين اليمنيين العاملين في المملكة، والتي تشكل دعماً أساسياً للاقتصاد اليمني، إلى المساعدات الإنسانية والإنمائية الضخمة التي تقدمها المملكة عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية (KSrelief) والذي يعمل في جميع المحافظات اليمنية، وصولاً إلى الدور السياسي المحوري في كبح الانهيار الشامل والبحث عن حل سياسي دائم. ومن العبث السياسي أن يُغامَر بكل هذا الرصيد في مغامرات شعاراتية لا تحسب حساب الغد ولا تدرك حجم التبعات.
وعندما نتحدّث عن المملكة العربية السعودية كدولة كبرى وذات ثقل إقليمي ودولي، فإننا لا نتحدّث عن قوّة مجردة، بل عن ثقلٍ سياسي يُفترض أن يُستشار ويُحترم لا أن يُستفز، ويُفهم لا أن يُختبر. فالكبار في السياسة لا تُدار علاقاتهم بالتصعيد والمواجهة، بل بالحوار البناء والتفاهمات المشتركة، ولا تُفرض عليهم الوقائع، بل تُبنى معهم الشراكات الاستراتيجية التي تخدم مصالح الجميع.
ليس في موقف المملكة عداء لأي مكوّن يمني، ولا رفض لطموحات مشروعة للشعب اليمني. لكنّ السياسة العاقلة تفرّق بين الحق في الطموح، والخطأ في التوقيت، والخطر في الأسلوب. حضرموت والمهرة ليستا ساحتي اختبار قوة أو مناطق للمزايدات السياسية، بل هما صمّام أمان لليمن والمنطقة، واستقرارهما ضروري لأي عملية سلام شاملة ومستدامة.
رفض المملكة للتحركات المنفلتة ودعم الدولة اليمنية
الخلاف، نعم، حقٌّ سياسي مشروع في أي ديمقراطية، لكن تحويله إلى استعراض في الشارع أو فرض أمر واقع بالقوة هو انزلاقٌ خطير لا يخدم أحداً، بل يهدد بتعميق الأزمة. لقد علّمتنا تجارب قريبة، منذ عام 2011 وما يعرف بالربيع العربي، أن الميادين حين تنفصل عن الرؤية الاستراتيجية والقيادة الحكيمة، تتحوّل من أداة ضغط سلمي إلى بوابة فوضى عارمة. والمملكة، وهي ترى المشهد من زاوية أوسع وأكثر شمولية، تدرك أن ما يبدو مكسباً لحظةً قد يكون خسارة وطن لعقود طويلة.
اليمن، شماله وجنوبه، ليس جسداً قابلاً للتجريب المتكرر أو ساحة للصراعات بالوكالة. هو كيان هشّ، يحتاج إلى ترميم شامل وبناء مؤسسات قوية لا إلى كسر جديد أو تقسيم إضافي. ومن هنا فإن دعم المملكة لوحدة الموقف الأمني، ورفضها لأي تحركات منفلتة خارج إطار التوافق الوطني والشرعية، ليس انحيازاً ضد أحد، بل انحياز لصالح الدولة اليمنية ومؤسساتها، وضد منطق المليشيا والعصابات المسلحة، أيّاً كان اسمها أو شعاراتها أو الجهة التي تدعمها.
إنّ الحكمة السياسية اليوم تقتضي الوقوف بوضوح مع كل موقف يمنع الانفجار، ويقدّم العقل على الانفعال، والدولة على الجماعة، والمستقبل المستقر على اللحظة الراهنة. والمملكة في هذا الموقف تمارس دورها الطبيعي كونها دولة مسؤولة عن أمنها القومي وأمن جوارها، وليست طرفاً في صراع داخلي، بل راعياً للاستقرار والسلام. وفي لحظات الاختبار العصيبة، لا يُقاس القادة بحدّة خطاباتهم أو قوة عضلاتهم، بل بقدرتهم على التراجع خطوة حين يكون التقدّم مدمّراً، وعلى تقديم المصلحة العليا للوطن والأمة.
والحكمة اليوم، بكل وضوح، تقف مع استقرار حضرموت والمهرة، ومع موقف المملكة العربية السعودية الثابت والمسؤول، ومع إنقاذ اليمن من مغامرة جديدة لا يحتملها، والعمل على بناء مستقبل يسوده الأمن والازدهار لجميع أبنائه.


