
صدرت موافقة معالي وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، رئيس مجلس إدارة مركز تنمية القطاع غير الربحي، المهندس أحمد الراجحي، على اللائحة التنفيذية لصندوق دعم الجمعيات. تمثل هذه الخطوة إنجازاً محورياً يهدف إلى تنظيم آليات الدعم المالي للجمعيات الأهلية، وضمان كفاءة وفعالية استخدام الموارد، بما يتماشى مع التطلعات الوطنية لتعزيز دور القطاع غير الربحي. تحدد اللائحة الجديدة بوضوح محظورات الاستثمار وشروط الحصول على الدعم، بالإضافة إلى حالات المنع والحجب التي تضمن أعلى مستويات الشفافية والنزاهة.
يأتي إقرار هذه اللائحة في سياق التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة العربية السعودية ضمن رؤية 2030 الطموحة، والتي تولي اهتماماً بالغاً بتنمية القطاع غير الربحي كشريك أساسي في تحقيق التنمية المستدامة والشاملة. تهدف الرؤية إلى رفع مساهمة القطاع غير الربحي في الناتج المحلي الإجمالي، وزيادة عدد المتطوعين، وتعزيز الحوكمة والشفافية في عمل هذه الجمعيات. لطالما كان دعم الجمعيات الأهلية ركيزة أساسية في بناء مجتمع حيوي، وقد واجه القطاع في السابق تحديات تتعلق بآليات التمويل والرقابة، مما استدعى وضع إطار تنظيمي شامل يضمن استدامة هذه الكيانات وقدرتها على تحقيق أهدافها التنموية.
تضمنت اللائحة بنوداً صارمة بشأن محظورات الاستثمار على الصندوق نفسه، حيث يمنع عليه الدخول في أي استثمارات مخالفة للشريعة الإسلامية، أو تلك التي تتعارض مع الأنظمة المعمول بها في المملكة، أو الاستثمار في الأوراق المالية المعلقة في الأسواق، أو الاستثمار خارج حدود المملكة. هذه القيود تضمن أن تظل أموال الصندوق موجهة لدعم الأهداف التنموية النبيلة، بعيداً عن أي مخاطر أو شبهات.
كما شددت اللائحة على حالات منع الدعم عن الجمعيات، والتي تشمل الإخلال بالشروط والضوابط المعتمدة، أو تقديم بيانات غير دقيقة أو ناقصة، أو التأخر في تقديم المستندات المطلوبة. ومنع الدعم أيضاً عن الجمعيات التي تتقدم بطلب دعم سبق لها الحصول عليه كدعم لمرة واحدة، أو التي تتقدم بأكثر من طلب دعم في ذات الوقت، وذلك لضمان عدالة التوزيع والاستفادة القصوى من الموارد المتاحة.
تتجاوز اللائحة مجرد المنع لتشمل حالات حجب الدعم، وهي أشد صرامة، وتتعلق بمخالفات قد تمس سمعة القطاع أو نزاهته. من أبرز هذه الحالات اشتباه وجود مخالفات مالية أو إدارية، أو ارتباطات غير مشروعة لم يتم معالجتها، أو إساءة استخدام اسم الصندوق أو الجهة الداعمة، مما يضر بالسمعة والمصداقية. كما يحجب الدعم في حال عدم التزام الجمعية بالأنظمة واللوائح السعودية، أو صدور قرار بتعليق أعمالها، أو استخدام الدعم في غير الأغراض المحددة دون موافقة مسبقة. وتعد حالات تقديم معلومات أو وثائق مزورة أو مضللة سبباً مباشراً لحجب الدعم واسترداده. هذه البنود تعكس التزاماً راسخاً بتعزيز الحوكمة الرشيدة والشفافية المطلقة في القطاع غير الربحي، وهو أمر حيوي لبناء الثقة بين الجمعيات والمجتمع والجهات الداعمة.
لضمان أعلى مستويات الرقابة والامتثال، نصت اللائحة على آليات رقابية صارمة تتماشى مع الأنظمة السارية في المملكة، مثل نظام مكافحة غسل الأموال ونظام مكافحة الإرهاب وتمويله. يلزم الصندوق بالاحتفاظ بسجلات ومستندات مالية دقيقة وملفات حسابات ومراسلات مالية، وصور وثائق الهويات الوطنية للمنتسبين والمتعاملين مالياً لمدة لا تقل عن عشر سنوات. الأهم من ذلك، أنه في حال توافر أسباب معقولة للاشتباه في أن الأموال تمثل حصيلة نشاط إجرامي أو مرتبطة بغسل أموال أو تمويل إرهاب، يتوجب على الصندوق إبلاغ وحدة التحريات المالية بوزارة الداخلية فوراً وبشكل مباشر، وتقديم تقرير مفصل بذلك. هذه الإجراءات تعزز من دور المملكة في مكافحة الجريمة المنظمة وتمويل الإرهاب على الصعيدين المحلي والدولي، وتؤكد التزامها بالمعايير الدولية في هذا المجال.
حددت اللائحة شروط الدعم ليكون موجهاً نحو البرامج والمشاريع التي تسهم في نمو وتطوير الجمعيات، وتعزيز قدراتها المؤسسية وإسهاماتها التنموية. يشمل ذلك دعم البرامج التي تهدف إلى تنمية واستدامة الموارد المالية للجمعيات، وتطوير وتأهيل العاملين فيها، ودعم الدراسات والبحوث التي تسهم في تطوير أعمالها. كما تهدف اللائحة إلى دعم المبادرات التطوعية لرفع مستوى العمل التطوعي، ودعم الجمعيات الناشئة لبناء قدراتها وتحقيق أهدافها.
من المتوقع أن يكون لهذه اللائحة تأثير إيجابي كبير على القطاع غير الربحي في المملكة. فعلى الصعيد المحلي، ستسهم في بناء قطاع أكثر احترافية وشفافية، قادر على جذب المزيد من الدعم والثقة من الأفراد والشركات. إقليمياً ودولياً، تعزز هذه اللائحة من مكانة المملكة كنموذج يحتذى به في تنظيم ودعم القطاع غير الربحي، وتؤكد التزامها بالحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد، مما قد يفتح آفاقاً للتعاون مع منظمات دولية ويجذب استثمارات اجتماعية أجنبية.
باختصار، تمثل لائحة صندوق دعم الجمعيات خطوة استراتيجية نحو تمكين القطاع غير الربحي في المملكة العربية السعودية، وتوفير بيئة داعمة ومنظمة تضمن تحقيق أقصى استفادة من الموارد المتاحة، وتوجيهها نحو تحقيق الأهداف التنموية الشاملة لرؤية 2030.


