في خطوة تعكس التطور الإيجابي في العلاقات الثنائية، استضافت المملكة العربية السعودية اليوم ملتقى الأعمال والاستثمار السعودي – الكندي، تحت مظلة مبادرة «استثمر في السعودية». شهد الملتقى حضوراً رفيع المستوى ضم معالي وزير الاستثمار المهندس خالد بن عبدالعزيز الفالح، ونظيره الكندي وزير التجارة الدولية مانيندر سيدهو، إلى جانب مسؤولين بارزين وممثلين عن كبرى الشركات والقطاعين الحكومي والخاص من كلا البلدين. يمثل هذا الحدث علامة فارقة في مسيرة تعزيز الشراكة الاقتصادية، حيث تم التركيز على استكشاف آفاق جديدة للتعاون الاستثماري في قطاعات حيوية.
تأتي هذه التطورات الإيجابية في أعقاب استعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين المملكة وكندا في عام 2023، بعد فترة من التوتر. لطالما كانت كندا شريكاً تجارياً مهماً للمملكة، وشهدت العلاقات الاقتصادية بين البلدين تقلبات، إلا أن هذا الملتقى يؤكد على الرغبة المشتركة في تجاوز الماضي والبناء على أسس قوية للمستقبل. يعكس هذا التوجه الاستراتيجي حرص المملكة على تنويع شركائها الاقتصاديين عالمياً، بما يتماشى مع أهداف رؤية السعودية 2030 الطموحة، والتي تسعى لتحويل الاقتصاد السعودي إلى قوة استثمارية رائدة.
بحث الملتقى بعمق أوجه الشراكة الاستثمارية في مجالات محورية مثل التحول الرقمي، وتطوير البنية التحتية، وقطاع الدفاع، بالإضافة إلى العديد من القطاعات الأخرى ذات الاهتمام المشترك. تم التركيز على سبل تعزيز هذه الشراكات وزيادة حجم الاستثمارات المتبادلة بين الشركات السعودية والكندية. وتوجت فعاليات الملتقى بتوقيع ست مذكرات تفاهم استراتيجية، شملت قطاعات حيوية مثل الاتصالات وتقنية المعلومات، والأمن السيبراني، والتعليم، والتصنيع. هذه المذكرات لا تمثل مجرد اتفاقيات ورقية، بل هي خارطة طريق لتعاون عملي يهدف إلى نقل الخبرات والتكنولوجيا، وخلق فرص استثمارية نوعية.
من منظور المملكة، تساهم هذه الشراكات في تحقيق مستهدفات رؤية 2030 الرامية إلى تنويع مصادر الدخل، وتعزيز المحتوى المحلي، وتوطين الصناعات والتقنيات المتقدمة. ففي قطاع التحول الرقمي والأمن السيبراني، تستفيد المملكة من الخبرات الكندية الرائدة لتعزيز بنيتها التحتية الرقمية وحماية بياناتها. وفي قطاع التعليم، تفتح هذه المذكرات آفاقاً جديدة للتبادل المعرفي وتطوير الكفاءات الوطنية، بينما يدعم التعاون في التصنيع جهود المملكة لتصبح مركزاً صناعياً ولوجستياً عالمياً. هذه الاستثمارات تساهم بشكل مباشر في خلق فرص عمل جديدة للشباب السعودي، وتدعم نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة.
أما بالنسبة لكندا، فإن تعزيز العلاقات الاقتصادية مع المملكة يفتح أسواقاً جديدة أمام شركاتها، خاصة في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والخدمات الهندسية. تستفيد الشركات الكندية من الفرص الاستثمارية الهائلة التي توفرها المشاريع الضخمة ضمن رؤية 2030، والتي تتطلب خبرات عالمية. كما أن هذه الشراكات تساهم في تنويع استثمارات كندا العالمية وتعزيز مكانتها كشريك تجاري موثوق به في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي منطقة تشهد نمواً اقتصادياً متسارعاً. إن تبادل الخبرات والمعرفة في هذه القطاعات الحيوية يعود بالنفع على الاقتصاد الكندي من خلال تعزيز الابتكار وتطوير القدرات التنافسية لشركاتها.
لم يقتصر الملتقى على توقيع الاتفاقيات، بل شمل أيضاً تنظيم ورش عمل ثنائية مكثفة للقطاع الخاص، أتاحت للمستثمرين من الجانبين فرصة لتبادل الخبرات ومناقشة سبل التعاون المشترك بشكل مباشر. هذا النهج التفاعلي يؤكد على الجدية في بناء علاقات استثمارية مستدامة ومثمرة. ومع استمرار المملكة في مسيرتها التنموية الطموحة، فإن تعزيز الشراكات مع دول مثل كندا يمثل ركيزة أساسية لتحقيق النمو الاقتصادي المستدام والازدهار المشترك في المستقبل.


