في خطوة أدبية مبتكرة، تبرز مبادرة “هايكو الأطفال” كمشروع ثقافي طموح يسعى لرفد مكتبة الطفل العربية بلون إبداعي جديد، مستلهمًا أحد أعرق الفنون الشعرية في العالم. هذه المبادرة، التي انطلقت بجهود فردية وتطورت لتصبح مشروعًا تراكميًا، تهدف إلى تعريف الناشئة بفن الهايكو الياباني، وفتح آفاق جديدة للتعبير والتأمل لديهم، بما يثري ذائقتهم الجمالية وقدراتهم الإبداعية.
ما هو شعر الهايكو؟ خلفية تاريخية وثقافية
يعود أصل شعر الهايكو إلى اليابان، وهو شكل من أشكال الشعر الوجيز والمكثف، يتألف تقليديًا من ثلاثة أسطر فقط. يقوم الهايكو على التقاط لحظة عابرة من الطبيعة أو الحياة اليومية، محولًا إياها إلى صورة شعرية تثير الدهشة والتأمل. لا يعتمد هذا الفن على السرد المباشر، بل على الإيحاء وترك مساحة لخيال القارئ ليكمل المشهد. بساطته الظاهرية تخفي عمقًا فلسفيًا يربط الإنسان بالطبيعة ودورة الحياة، مما يجعله أداة فريدة لتعليم الأطفال قوة الملاحظة وجمال التفاصيل الصغيرة.
سد فجوة في أدب الطفل العربي
انطلقت شرارة المبادرة من سلسلة تغريدات نشرها الدكتور أحمد القيسي عبر منصة (X)، دعا فيها المهتمين والجهات المعنية بالطفل في المملكة إلى الالتفات لهذا الشكل التعبيري الذي يفتقده أدب الطفل في العالم العربي. وأشار القيسي إلى أن النصوص الموجهة للطفل العربي غالبًا ما تكون طويلة وسردية، بينما يفتقر المشهد الأدبي إلى النصوص الوجيزة التي تحفز الطفل على تأمل المشاهد البسيطة من حوله. من هذا المنطلق، يأتي مشروع “هايكو الأطفال” ليسد هذه الفجوة، ويقدم للطفل العربي رافدًا جديدًا ينمي خياله ويربطه ببيئته بأسلوب جمالي مختلف.
ورشة عمل متخصصة وولادة المشروع
أعلن القيسي عن مشروعه الذي يعمل عليه منذ أشهر ضمن ورشة أدبية متخصصة أنشأها لهذا الغرض، والتي تُعد الأولى من نوعها في الأدب العربي والشرق أوسطي. أكد القيسي أن نجاح مشروع كهذا يتطلب تكاتف الجهود بين المختصين في فن الهايكو وأدب الطفل. ولهذا السبب، أنشأ ورشة عمل عبر تطبيق “واتساب” ضمت نخبة من كُتاب وكاتبات الهايكو السعوديين، منهم: محمد آل فاضل، عبدالله العنزي، عطاف سالم، يوسف العنزي، مضاوي القويضي، سندس الشريف، ندى العمراني، العنود يحيى، وعفاف أحمد. كما استضافت الورشة الخبيرة والباحثة في أدب الطفل، الدكتورة وفاء السبيل، لتكون مشرفة على الجوانب المتعلقة بأدب الطفل في النصوص المنتجة، لضمان ملاءمتها للفئة العمرية المستهدفة من حيث اللغة والمحتوى.
أهمية المشروع وتأثيره المتوقع
لاقت فكرة المشروع ترحيبًا واسعًا من النقاد والمثقفين. ترى الناقدة الدكتورة زكية العتيبي أن أهمية الفكرة تنبع من طبيعة فن الهايكو القائمة على التكثيف والدهشة والتقاط اللحظة، وهي عناصر تنسجم مع طريقة الطفل في إدراك العالم. بدورها، أوضحت الدكتورة وفاء السبيل أن “شعر الهايكو مناسب للطفل كونه يقدم صورًا خاطفة تتماشى مع خياله البصري وقصر مدة تركيزه”. وأضافت أن الأسطر الثلاثة تمنحه مشهدًا حسيًا ملموسًا (كصوت المطر أو لون الزهرة)، مما يجعله يستمتع باللغة بصفتها لوحة فنية سريعة. ويطمح القائمون على المشروع أن تكون المخرجات النهائية سلسلة من الكتب التي ترعاها إحدى الجهات المعنية، مصممة وفق أعلى معايير كتب الأطفال، لتفتح مسارًا جديدًا للقراءة لدى الناشئة في السعودية والعالم العربي.
من المحلية إلى العالمية: بناء جسور ثقافية
يحمل مشروع “هايكو الأطفال” أبعادًا تتجاوز التأثير المحلي. فعلى الصعيد الإقليمي، يمكن أن يلهم مبادرات مماثلة في دول عربية أخرى، مما يساهم في تحديث أدوات أدب الطفل العربي وتنويعه. أما على الصعيد الدولي، فإن تبني فن ياباني عريق وتكييفه ليخاطب الطفل العربي بلغة وثقافة عربيتين يمثل حوارًا ثقافيًا راقيًا. إنه يبرهن على قدرة الثقافة العربية على التفاعل مع الفنون العالمية وتقديمها برؤية خاصة، مما يعزز مكانة الأدب العربي على الساحة العالمية ويفتح الباب أمام ترجمة هذه الأعمال المبتكرة إلى لغات أخرى.


