أعلنت هيئة السوق المالية السعودية عن قرار تاريخي بفتح السوق المالية السعودية أمام جميع فئات المستثمرين الأجانب، وتمكينهم من الاستثمار المباشر في السوق الرئيسية ابتداءً من 1 فبراير 2026. يأتي هذا الإعلان عقب اعتماد مجلس الهيئة مشروع الإطار التنظيمي الجديد المنظم لدخول المستثمرين الأجانب غير المقيمين، والذي يمثل نقلة نوعية في مسيرة السوق المالية بالمملكة.
تُعد السوق المالية السعودية (تداول) الأكبر في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وشهدت على مدى العقود الماضية تطورات تنظيمية متسارعة تهدف إلى مواكبة أفضل الممارسات العالمية. فبعد فترة طويلة من الاقتصار على المستثمرين المحليين، بدأت المملكة في فتح أبوابها تدريجياً أمام رأس المال الأجنبي. كانت البداية مع إطلاق نظام اتفاقيات المبادلة في عام 2008، ثم جاءت خطوة تاريخية في عام 2015 بالسماح للمستثمرين الأجانب المؤهلين (QFI) بالاستثمار المباشر، وهو ما مثل نقلة نوعية في مسيرة السوق. هذه الإصلاحات المتتالية لم تكن بمعزل عن الرؤية الاقتصادية الطموحة للمملكة، ممثلة في رؤية 2030، التي تهدف إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط، وجعل المملكة مركزاً استثمارياً عالمياً.
وأوضحت الهيئة أن هذه الخطوة ستجعل السوق المالية السعودية، بجميع فئاتها، متاحة لمختلف شرائح المستثمرين من أنحاء العالم، بما يعزز جاذبية السوق ويؤكد مكانتها بوصفها إحدى أهم الأسواق المالية الناشئة عالميًا. وتهدف التعديلات المعتمدة إلى توسيع وتنويع قاعدة المستثمرين المسموح لهم بالاستثمار في السوق الرئيسية، بما يدعم تدفقات الاستثمارات الأجنبية، ويسهم في تعزيز مستويات السيولة ورفع كفاءة السوق.
وشملت التعديلات التنظيمية إلغاء مفهوم «المستثمر الأجنبي المؤهل» في السوق الرئيسية، بما يتيح لكافة فئات المستثمرين الأجانب الدخول إلى السوق دون الحاجة إلى استيفاء متطلبات التأهيل السابقة. كما تضمنت إلغاء الإطار التنظيمي لاتفاقيات المبادلة التي كانت تُستخدم كأداة لتمكين المستثمرين الأجانب غير المقيمين من الحصول على المنافع الاقتصادية للأوراق المالية المدرجة دون تملك مباشر. وبموجب الإطار الجديد، أصبح بإمكان المستثمرين الأجانب غير المقيمين الاستثمار المباشر في الأسهم المدرجة في السوق الرئيسية، ما يعزز من شفافية السوق ويزيد من عمقها الاستثماري.
إن هذا القرار الأخير، الذي يمثل تتويجاً لتلك الجهود، من شأنه أن يعزز بشكل كبير من مكانة السوق المالية السعودية على الساحة الدولية. فعلى الصعيد المحلي، يُتوقع أن يؤدي فتح السوق لجميع الفئات إلى زيادة ملحوظة في السيولة، مما يسهم في تحسين كفاءة التسعير وتقليل الفروقات السعرية، كما سيعزز من مستويات الشفافية والحوكمة في الشركات المدرجة، مع تزايد تدقيق المستثمرين الدوليين. أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فإن هذه الخطوة ستعزز جاذبية المملكة كوجهة استثمارية رئيسية، وتدعم طموحاتها في أن تصبح مركزاً مالياً رائداً. ومن المتوقع أن يؤدي ذلك إلى زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI) إلى الشركات السعودية، مما يدعم نموها وتوسعها. كما ستسهم هذه التعديلات في رفع وزن السوق السعودية ضمن المؤشرات العالمية للأسواق الناشئة، مثل مؤشري MSCI و FTSE Russell، مما يجذب المزيد من الاستثمارات السلبية والنشطة التي تتبع هذه المؤشرات، ويمنح المستثمرين العالميين فرصة أكبر لتنويع محافظهم الاستثمارية في اقتصاد واعد ومتنامٍ.
يذكر أن حجم ملكية المستثمرين الدوليين في السوق المالية بلغ أكثر من 590 مليار ريال بنهاية الربع الثالث من عام 2025، ما يعكس تنامي ثقة المستثمرين الدوليين في السوق السعودية، ودور الإصلاحات التنظيمية في تعزيز جاذبيتها على المستويين الإقليمي والعالمي. وتأتي هذه الخطوة ضمن جهود هيئة السوق المالية المستمرة لتطوير السوق المالية، ودعم مستهدفات رؤية المملكة 2030 الرامية إلى جذب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، مؤكدة على التزام المملكة بتحقيق أهدافها الاقتصادية الطموحة.


