spot_img

ذات صلة

قرار تاريخي: خريجو الكليات التقنية “مهندسون” رسميًا بالسعودية

صورة توضيحية لمهندس سعودي

في خطوة تاريخية تعزز العدالة المهنية وتوحيد المسارات الوظيفية في المملكة العربية السعودية، صدر حكم قضائي نهائي من محكمة الاستئناف بديوان المظالم يقضي بإلزام الجهة المختصة بتصنيف خريجي الكليات التقنية بمسمى «مهندس» دون إضافة أي وصف أو عنصر على المسمى من شأنه إحداث مفاضلة أو تمييز بينهم وبين خريجي كليات الهندسة في الجامعات. هذا القرار يمثل تتويجًا لسنوات من النقاشات والجهود الرامية إلى تحقيق المساواة في الاعتراف المهني.

لطالما شكلت مسألة التصنيف المهني لخريجي الكليات التقنية تحديًا في سوق العمل السعودي. فمع التوسع في برامج التعليم التقني والمهني، التي تشرف عليها المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني (TVTC)، وتطويرها لتشمل درجات البكالوريوس في الهندسة التقنية، برزت الحاجة إلى مواءمة المسميات الوظيفية مع المؤهلات الأكاديمية. كان هناك تمييز ضمني أو صريح في بعض الأحيان بين خريجي الهندسة من الجامعات التقليدية وخريجي الهندسة التقنية، مما أثر على فرص التوظيف والترقيات والاعتراف المهني.

وقد استند الحكم القضائي، الذي حصلت «عكاظ» على نسخة منه، إلى أسس نظامية راسخة. فقد أكد أن التفريق في المسمى الوظيفي أو المهني بين خريجي بكالوريوس الهندسة التقنية وخريجي كليات الهندسة يتعارض مع الأوامر السامية المنظمة، وعلى رأسها الأمر الصادر في 10/6/1409هـ (الموافق 17 يناير 1989م)، الذي أقر المساواة في المميزات بين الفئتين. هذا الأمر السامي كان بمثابة حجر الزاوية في التأكيد على قيمة التعليم التقني ومخرجاته.

وأوضحت المحكمة في حيثيات حكمها أن نظام مزاولة المهن الهندسية الصادر بمرسوم ملكي أحال مسألة الاعتماد المهني والتصنيف إلى الجهة المختصة، دون أن يتضمن نصًا يلغي أو يعدل الأوامر السابقة. هذا التفسير القضائي يوجب نظامًا الجمع بين النصوص وعدم ترجيح أحدها على حساب الآخر، مما يؤكد على أن الأوامر السامية السابقة لا تزال سارية المفعول وتوجب المساواة. كما استند الحكم إلى مخاطبات رسمية واجتماعات سابقة عقدت بين الجهات ذات العلاقة، انتهت إلى اعتماد تصنيف خريجي برامج بكالوريوس الهندسة التقنية ضمن فئة «مهندس»، بما يعكس سلامة الفهم النظامي في التطبيق الأولي، ويُضعف مبررات العدول عنه لاحقًا.

وقضت الدائرة بإلغاء الحكم الابتدائي، والحكم مجددًا بإلغاء قرار الجهة بالامتناع عن تصنيف المدعي على فئة «مهندس»، معتبرة أن أي إضافة توصيفية على المسمى تُعد مخالفة صريحة لمبدأ المساواة النظامية. هذا الحكم يعيد التأكيد على أن الكفاءة والخبرة هي المعيار الأساسي، وليس مسار التعليم الأكاديمي وحده، طالما أن المؤهل معترف به ويستوفي المتطلبات المهنية.

يُنتظر أن يُسهم هذا الحكم القضائي في توحيد مسمى التصنيف المهني لخريجي الهندسة التقنية، وإنهاء أحد أبرز الملفات الخلافية في سوق العمل الهندسي، بما يعزز العدالة الوظيفية، ويرفع مستوى الاستقرار المهني لخريجي الكليات التقنية في المملكة. هذا القرار لا يقتصر تأثيره على الجانب المهني فحسب، بل يمتد ليشمل تعزيز مكانة التعليم التقني والمهني كرافد أساسي لتنمية الكوادر الوطنية المؤهلة، بما يتماشى مع أهداف رؤية السعودية 2030 الرامية إلى بناء اقتصاد متنوع ومستدام يعتمد على الكفاءات الوطنية في مختلف القطاعات الحيوية، ومنها القطاع الهندسي الذي يعد ركيزة أساسية في مشاريع التنمية الكبرى.

إن توحيد المسمى الوظيفي سيفتح آفاقًا أوسع لخريجي الهندسة التقنية في سوق العمل، ويسهل عليهم الحصول على فرص وظيفية تتناسب مع مؤهلاتهم، ويقلل من الحواجز التي كانت تعيق تقدمهم المهني. كما أنه سيسهم في جذب المزيد من الشباب السعودي للالتحاق ببرامج التعليم التقني، إيمانًا منهم بأن مسارهم التعليمي سيحظى بالتقدير المهني الكامل، مما يعزز من قدرة المملكة على تلبية احتياجاتها المتزايدة من المهندسين ذوي المهارات التطبيقية العالية.

spot_imgspot_img