
في خطوة دبلوماسية تعكس التوجهات الإقليمية نحو تعزيز الاستقرار والتكامل، تلقى صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، اتصالاً هاتفياً اليوم من فخامة الرئيس أحمد الشرع، رئيس الجمهورية العربية السورية. يأتي هذا الاتصال في سياق جهود متواصلة لإعادة بناء جسور التواصل وتفعيل الدور العربي المشترك.
خلال المكالمة، جرى استعراض معمق للعلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين، وبحث سبل وفرص تعزيزها وتطويرها في مختلف المجالات الحيوية، بما يخدم المصالح المشتركة للشعبين. كما تناول الجانبان مستجدات الأحداث الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، مؤكدين على أهمية التنسيق والتشاور لمواجهة التحديات الراهنة.
سياق تاريخي ومسار التقارب
يمثل هذا الاتصال نقطة تحول مهمة في مسار العلاقات السعودية السورية، التي شهدت فترة من التوتر والقطيعة الدبلوماسية استمرت لأكثر من عقد من الزمان، تحديداً منذ اندلاع الأزمة السورية في عام 2011. خلال هذه الفترة، تم تعليق عضوية سوريا في جامعة الدول العربية، وشهدت المنطقة تحولات جيوسياسية عميقة أثرت على طبيعة العلاقات بين الدول. ومع ذلك، شهدت الأشهر الأخيرة حراكاً دبلوماسياً مكثفاً قادته المملكة العربية السعودية ودول عربية أخرى، بهدف إعادة دمج سوريا في محيطها العربي وتفعيل دورها الإقليمي.
توجت هذه الجهود بعودة سوريا إلى جامعة الدول العربية في مايو 2023، واستضافت المملكة العربية السعودية القمة العربية في جدة التي شهدت حضور الرئيس السوري. هذه التطورات مهدت الطريق أمام استئناف العلاقات الدبلوماسية وتبادل السفراء، وفتحت آفاقاً جديدة للتعاون الثنائي والمتعدد الأطراف. الاتصال الهاتفي بين ولي العهد والرئيس السوري يؤكد على هذا التوجه نحو تطبيع كامل للعلاقات، ويعكس رغبة قيادتي البلدين في تجاوز تحديات الماضي والبناء على أسس جديدة من التعاون والاحترام المتبادل.
الأهمية والتأثيرات المتوقعة
يحمل هذا الاتصال أهمية بالغة على عدة مستويات:
- على الصعيد الثنائي: يفتح الباب أمام تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري بين السعودية وسوريا، مما يمكن أن يسهم في دعم جهود إعادة الإعمار والتنمية في سوريا، ويوفر فرصاً جديدة للشركات السعودية. كما يمكن أن يشمل التعاون مجالات ثقافية واجتماعية، ويعزز التبادل الشعبي.
- على الصعيد الإقليمي: يعزز الاتصال من الاستقرار الإقليمي ويساهم في حلحلة بعض الملفات الشائكة. فالمملكة العربية السعودية، بصفتها لاعباً إقليمياً رئيسياً، تسعى إلى بناء توافق عربي أوسع لمواجهة التحديات المشتركة مثل مكافحة الإرهاب، التصدي لتهريب المخدرات، ومعالجة قضايا اللاجئين والمساعدات الإنسانية. هذا التقارب يمكن أن يدعم جهود السلام والأمن في المنطقة بأسرها.
- على الصعيد الدولي: يرسل هذا التطور رسالة واضحة للمجتمع الدولي بأن الدول العربية قادرة على إدارة ملفاتها الإقليمية وتجاوز خلافاتها، مما يعزز من مكانة المنطقة كشريك فاعل في بناء السلام العالمي. كما يمكن أن يؤثر إيجاباً على جهود التسوية السياسية للأزمة السورية، من خلال دعم الحلول العربية التي تراعي مصالح الشعب السوري وتحفظ سيادة ووحدة أراضيه.
إن استعراض العلاقات الثنائية وبحث سبل تعزيزها، إلى جانب مناقشة القضايا الإقليمية، يؤكد على أن هذا الاتصال ليس مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل هو خطوة استراتيجية نحو مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً للمنطقة، ويعكس رؤية قيادة المملكة في تعزيز العمل العربي المشترك وتحقيق التطلعات نحو السلام والتنمية.


