يمثل الاستثمار الثقافي ركيزة أساسية في بناء الأمم المتقدمة، فهو يتجاوز مجرد الدعم المالي ليصبح استراتيجية شاملة تهدف إلى تنمية رأس المال البشري وتعزيز الهوية الوطنية وتحقيق عوائد اقتصادية مستدامة. في المملكة العربية السعودية، تتجسد هذه الرؤية الطموحة ضمن إطار رؤية 2030، التي تضع الثقافة والفنون في صميم خطط التنمية الشاملة. لم يعد الاستثمار الثقافي يُنظر إليه كإنفاق ترفي، بل كاستثمار استراتيجي يسهم في إثراء الحياة الفكرية والإبداعية للمجتمع، ويحفز النمو الاقتصادي من خلال صناعات إبداعية مزدهرة، ويضع المملكة في مصاف الدول الرائدة عالمياً في المشهد الثقافي.
تتعدد أوجه الاستثمار الثقافي لتشمل دعم المواهب، تطوير البنية التحتية الثقافية، تعزيز التراث، وتشجيع الإبداع في مختلف الفنون المعرفية والفكرية. يهدف هذا الاستثمار إلى استغلال الطاقة الكامنة للإبداع لدى أفراد المجتمع، مما يسهم في نمو حضاري مستدام ومنجزات فكرية وإبداعية تعكس عمق الثقافة السعودية وتطلعاتها المستقبلية. كما يضمن الاستثمار الاقتصادي في هذا القطاع ديمومة العمل الثقافي عبر عوائد مجزية، تؤصل لفكرة النمو الحضاري والمعرفي الذي بات مقياساً للدول والمجتمعات المتطلعة لمستقبل واعد في التفوق والحضور الثقافي العالمي.
تعتبر “جغرافيا الأدب” أحد أهم مكونات هذا النمو الثقافي الرحب والفسيح، حيث تتكئ على مقومات إبداعية رصينة ومبتكرة متجذرة في واقع الأرض السعودية. للمملكة تاريخ أدبي عريق يمتد لقرون، من الشعر الجاهلي إلى الحركات الأدبية الحديثة، مما يجعلها حاضنة طبيعية للمواهب الأدبية. اليوم، تشهد الساحة الأدبية السعودية حراكاً غير مسبوق، بفضل جهود أدباء وشعراء وقاصين ومسرحيين ونقاد وكتّاب رأي ومترجمين من شباب الوطن، الذين يقومون بواجباتهم الطموحة والإبداعية في تمثيل المملكة في محافلها الداخلية الكبيرة والدولية المرموقة. إن إيمانهم بالدور المنوط بهم كـ “زكاة لإبداعهم” وقدراتهم، يدفعهم لنحت أعمال أدبية رفيعة المستوى، تسعى للعالمية التي يستحقها هذا الوطن، وتجعل المملكة تباهي بإبداعاتها ومبدعيها ذوي الجودة العالية والمحتوى المتميز، مما يستدعي العناية والدعم والاستثمار المجدي في هذا المجال.
في سياق تسليط الضوء على جغرافيا الأدب ورصد المناطق والمحافظات بالمملكة، لا يمكن حصر الإبداع في منطقة واحدة، فالمملكة العربية السعودية، بفضل مساحتها الشاسعة وتنوعها الثقافي، تزخر بمراكز إبداعية متعددة. ومع ذلك، يمكن ملاحظة تفوق ملحوظ وتسارع في نمو البرامج الثقافية والمنتجات الإبداعية في مناطق ومساحات عدة، أصبحت بارزة ويُشار إليها بالبنان. هذه المناطق تتصدر الصحف والمجلات والمهرجانات والمحافل بكل جدارة، وتحقق فوزاً مستحقاً في المسابقات الأدبية الكبيرة والمهمة والعريقة على مستوى الوطن العربي والخليج والعالم. لقد صنعت هذه الجهود أسماء لامعة في عالم الإبداع عبر أجيال متفاوتة قادت المشهد الأدبي، ولا يخلو مشهد أدبي أو شعري أو ثقافي من حضورهم اللافت أو تبوؤ مراكزهم الأولى، مما يرسخ عميقاً في الذاكرة الأدبية الوطنية والعربية.
إن هذا الحضور المتقدم للمملكة العربية السعودية على مستوى الجودة الإبداعية، والذي ينبئ عن شحذ إبداعي رفيع المستوى على جميع الأصعدة الثقافية والأدبية والنقدية والبحثية والفنية، هو نتاج لجهود مؤسسية متكاملة. فقد أولت وزارة الثقافة السعودية، منذ تأسيسها، اهتماماً بالغاً بتطوير القطاع الثقافي، وأطلقت العديد من المبادرات والبرامج الطموحة ضمن استراتيجيتها الوطنية للثقافة. كما أنشأت هيئات متخصصة مثل هيئة الأدب والنشر والترجمة، التي تعمل على دعم الكتاب والمؤلفين، وتشجيع القراءة، وترجمة الأعمال السعودية للعالمية والعكس، مما يعزز التبادل الثقافي ويفتح آفاقاً جديدة للمبدعين.
من هنا، تبرز الحاجة إلى وقفة جادة لشحذ الهمم نحو توطيد علاقة مستدامة وبناء الثقة العالية بين الحركة الاستثمارية الربحية والتجارية والعمل الثقافي والإبداعي. هذا التكافل الثقافي-الاقتصادي يهدف إلى خلق نهضة فخمة تشاركية ومصلحية، متوازية مع حجم هذا الإبداع الحضاري المتصاعد والخلاق. الهدف هو خلق مفهوم جديد وجدير بالمتابعة يدفع بالحركة الأدبية والثقافية لذروتها، كمنظومة لعمل ثقافي جمعي وفردي دؤوب وتوافقي يخدم التطلعات العالية على الواقع بالمشهد الأدبي. هذا النهج يخلص للعطاء الكبير والكثير ومنقطع النظير في حوكمته نحو النمو الثقافي والإبداعي، محافظاً على الكيان الثقافي الأصيل وعلى الرغبة في الديمومة والريادة لهذا المنتج العريض والعريق من جهة، والتنقيب لإبراز القدرات الشابة التي لم تكتشف بعد من جهة أخرى، والتي قد تسهم في رفع مساحة الطموح والحضور الأدبي والشعري والثقافي من خلال بناء مؤسسي رفيع المستوى ينظم هذا الفعل الأدبي الخالص في أعلى مستوياته الدولية والعالمية، بما يليق بالألفية الثالثة الجديدة والمتسارعة في حداثتها الراقية والمتصالحة مع ذاتها الخلاقة في فتح الفرص للمبدعين الجديرين بالاهتمام.


