spot_img

ذات صلة

الإفصاح الطوعي الجمركي: إلغاء الغرامات في السعودية

image

أقرّت هيئة الزكاة والضريبة والجمارك في المملكة العربية السعودية مؤخرًا ضوابط جديدة للإفصاح الطوعي عن المخالفات الجمركية، في خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز الشفافية وتحفيز المكلفين على تصحيح أوضاعهم الجمركية طوعًا. يأتي هذا القرار في سياق الجهود المستمرة لتطوير البيئة التجارية والاستثمارية في المملكة، بما يتماشى مع رؤية 2030 الرامية إلى تنويع الاقتصاد ورفع كفاءة الأداء الحكومي. تعكس هذه المبادرة التزام الهيئة بتطبيق أفضل الممارسات الدولية في مجال الإدارة الجمركية، وتنسجم تمامًا مع نظام الجمارك الموحد لدول مجلس التعاون الخليجي والاتفاقيات الجمركية الدولية التي تهدف إلى تسهيل التجارة المشروعة ومكافحة التهرب.

تاريخيًا، لعبت الجمارك دورًا حيويًا في حماية الاقتصادات الوطنية وتنظيم حركة التجارة عبر الحدود. ومع التطورات الاقتصادية المتسارعة والعولمة، أصبحت الحاجة ملحة لأنظمة جمركية مرنة وشفافة. إن برامج الإفصاح الطوعي ليست مفهومًا جديدًا على الساحة الدولية؛ فقد تبنتها العديد من الدول المتقدمة والمنظمات الدولية مثل منظمة الجمارك العالمية (WCO) كأداة فعالة لتقليل النزاعات الجمركية وتحسين الامتثال. يمثل هذا القرار فرصة ذهبية للمكلفين لتصحيح الأخطاء والتجاوزات التي قد تكون وقعت في بياناتهم أو إقراراتهم الجمركية، وذلك قبل اكتشافها من قبل الهيئة، مما يجنبهم الغرامات المالية الباهظة.

وتشمل ضوابط الإفصاح الطوعي مجموعة واسعة من المخالفات الجمركية المرتبطة بالبيانات والإقرارات الجمركية. من أبرز هذه المخالفات الأخطاء في تصنيف البضائع، أو التقدير غير الدقيق لقيمتها، أو تحديد بلد المنشأ بشكل خاطئ، أو أي بيانات أخرى غير دقيقة قد يترتب عليها فروقات في الرسوم الجمركية المستحقة أو التزامات مالية إضافية. الشرط الأساسي للاستفادة من هذا البرنامج هو ألا تكون المخالفة قد اكتُشفت من قبل هيئة الزكاة والضريبة والجمارك مسبقًا، مما يؤكد على مبدأ المبادرة الذاتية في التصحيح.

ومع ذلك، هناك استثناءات واضحة لهذه الضوابط. فقد استثنت الهيئة حالات التهريب الجمركي وما في حكمه، نظرًا لخطورتها وتأثيرها المباشر على الأمن الاقتصادي والوطني. كما لا يشمل الإفصاح الطوعي المخالفات التي باشرت الهيئة حيالها إجراءات نظامية بالفعل، مثل التفتيش، أو الضبط، أو التحقيق، وذلك قبل تقديم طلب الإفصاح. يهدف هذا الاستثناء إلى ضمان عدم استغلال البرنامج للتهرب من المساءلة بعد بدء الإجراءات القانونية.

لضمان قبول طلب الإفصاح الطوعي، اشترطت الهيئة على المكلفين التقدم بالطلب فور اكتشاف الخطأ أو المخالفة. يجب أن يكون الطلب مستوفيًا لجميع المعلومات اللازمة، بما في ذلك بيانات البيان الجمركي المعني، ووصف دقيق للمخالفة وطبيعتها، وتحديد الفروقات المالية المترتبة عليها. كما يتوجب إرفاق جميع المستندات المؤيدة وأي معلومات إضافية قد تطلبها الهيئة لدراسة الطلب بشكل شامل.

ووفقًا لهذه الضوابط، يُلزم المكلف بسداد كامل الرسوم الجمركية والفروقات المالية الناتجة عن المخالفات محل الإفصاح خلال مدة لا تتجاوز 30 يومًا من تاريخ إشعار الهيئة بالمطالبة المالية. الجدير بالذكر أن التجاوز يقتصر على الغرامات المالية فقط، بينما تظل الرسوم الجمركية المستحقة واجبة السداد بالكامل، مما يحافظ على حقوق الدولة ويشجع على الامتثال الضريبي والجمركي.

أكدت الهيئة على سهولة الإجراءات، حيث يتم تقديم طلب الإفصاح الطوعي إلكترونيًا عبر موقع هيئة الزكاة والضريبة والجمارك الرسمي، من خلال النموذج المعتمد، مع إرفاق جميع المستندات المطلوبة. تقوم الهيئة بدراسة الطلبات المكتملة وإصدار قرارها بشأنها خلال مدة لا تتجاوز 30 يومًا من تاريخ التقديم. وفي حال تبين أن المخالفة محل الإفصاح تندرج ضمن حالات التهريب الجمركي، فسيتم التعامل معها وفق أحكام التسوية الصلحية المنصوص عليها نظامًا، مما يوفر مسارًا واضحًا للتعامل مع مختلف أنواع المخالفات.

إن تطبيق هذا النظام يعزز من بيئة الأعمال في المملكة، ويقلل من المخاطر التشغيلية للشركات، ويسهم في بناء علاقة ثقة متبادلة بين الهيئة والمكلفين. كما أنه يقلل من العبء الإداري والقضائي الناتج عن النزاعات الجمركية، مما يسمح للهيئة بالتركيز على مكافحة المخالفات الأكثر خطورة. على المدى الطويل، من المتوقع أن يؤدي هذا البرنامج إلى زيادة مستوى الامتثال الطوعي، وتحسين كفاءة تحصيل الإيرادات، وتعزيز مكانة المملكة كمركز تجاري ولوجستي عالمي يعتمد على الشفافية والعدالة في التعاملات الجمركية.

spot_imgspot_img