spot_img

ذات صلة

الدراما السعودية: أزمة إبداع وتطلعات مستقبلية

يبدو أن الدراما السعودية تدور في حلقة مفرغة لم تتمكن من الخروج منها لسنوات عديدة، مما يجعل ما تقدمه لا يواكب النهضة الكبيرة والتحول الجذري الذي تشهده المملكة العربية السعودية خلال العقد الماضي. هذا التحول، الذي يندرج ضمن رؤية المملكة 2030 الطموحة، لم يقتصر على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية فحسب، بل امتد ليشمل القطاع الثقافي والفني بشكل واسع، مع تأسيس هيئات مثل وزارة الثقافة والهيئة العامة للترفيه، التي تهدف إلى دعم وتطوير مختلف الفنون. ورغم هذا الزخم الثقافي غير المسبوق، لا تزال الدراما المحلية تعاني من الركود، مما يخيب آمال المشاهد السعودي الذي يتطلع إلى محتوى يعكس واقعه المتغير وتطلعاته المستقبلية.

تاريخياً، شهدت الدراما السعودية فترات من التألق، خاصة في التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، حيث قدمت أعمالاً كوميدية واجتماعية تركت بصمة واضحة في الذاكرة الجماعية، مثل مسلسل “طاش ما طاش” الذي كان رائداً في طرح القضايا الاجتماعية بأسلوب ساخر. ومع ذلك، يبدو أن هذا الإرث، بدلاً من أن يكون نقطة انطلاق للتطور، أصبح قيداً يحد من الإبداع. فالأعمال الدرامية المحلية اليوم أصبحت نسخاً مكررة لمواضيع متشابهة، حتى وإن ظهرت بعناوين جديدة. يجد المتابعون أن معظمها يركز على حلقات متصلة منفصلة ذات طابع كوميدي بحت، ويعزى ذلك لأسباب متعددة، أبرزها الرغبة في توفير التكاليف والجهد الفكري والإبداعي. هذا التوجه يفتقر إلى العمق ويحد من قدرة الدراما على معالجة القضايا المعاصرة بجدية وشمولية.

إن تجاهل الدراما السعودية للجانب التراجيدي والقصص المحبوكة بعناية، والروابط الدرامية المتينة، والشخصيات البطولية المعقدة، يعقد مهمة فرق العمل ويؤثر سلباً على جودة المنتج النهائي. هذا النمط يدفع المنتجين إلى الاعتماد على الأعمال المنفصلة والبحث عن أكبر عدد من الممثلين بأجور أقل، مما يقلل من فرص الاستثمار في المواهب الحقيقية وتطويرها. في ظل التطور السريع الذي تشهده المملكة، أصبحت الحاجة ماسة لدراما تعكس هذا التطور، وتتناول قضايا الشباب، والتغيرات الاجتماعية، والتحديات الثقافية، بدلاً من الاكتفاء بالكوميديا السطحية التي لا تقدم قيمة فنية أو فكرية حقيقية. الدراما الجادة يمكن أن تكون مرآة للمجتمع، ومنبراً للحوار، ومصدراً للإلهام، ومحركاً للتنمية الثقافية.

على الرغم من الثورة الفنية التي تشهدها المملكة، ووجود هيئات متخصصة في الفن والأدب، ووزارة للثقافة تدعم وتنظم الفنون والثقافة، إلا أن أعمالنا الدرامية لا تزال ترتدي عباءة المسلسل السعودي “طاش” وما شابهه من أعمال حقبة زمنية مضت. تحاول هذه الأعمال السير على خطاها، لكنها أضحت بلا تجديد أو ابتكار، معتمدة على نفس الأسماء والمشاهد حتى وإن اختلفت ديكوراتها. هذا الوضع لا يتماشى مع الطموحات الكبيرة لرؤية 2030 التي تسعى إلى بناء مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، حيث يلعب الفن والثقافة دوراً محورياً في تحقيق هذه الأهداف.

إن مسؤولية المحتوى الدرامي السعودي لا تقع على عاتق المنتجين والكتاب والممثلين وحدهم، بل هي مسؤولية مشتركة بين الأطراف الثلاثة المذكورة والقنوات التلفزيونية. فالقنوات، التي لا تعتمد مسلسلاتها إلا قبل شهر رمضان بنحو 60 يوماً فقط، تضع المنتجين في مأزق البحث عن نصوص وممثلين وأماكن تصوير في وقت قصير جداً. هذا الضغط الزمني يجعلهم يعتمدون على إنجاز العمل في مدة غير كافية للبحث عن التميز والابتكار، مما يؤدي إلى تكرار الأفكار والاعتماد على صيغ مضمونة، وإن كانت مستهلكة. هذا النمط من العمل يعيق تطور الصناعة الدرامية ويحد من قدرتها على المنافسة إقليمياً ودولياً.

ما تحتاجه الدراما السعودية لتنهض وتنافس عربياً ليس وفرة في الأعمال، وإنما الاستعداد المبكر للموسم الرمضاني وما بعده. يتطلب ذلك تحويل النصوص الأدبية السعودية الغنية، كالروايات والقصص، إلى أعمال تلفزيونية تؤكد أن المحتوى الأدبي السعودي يستحق هذا التحويل، مع توفير الوقت الكافي للتعميق والإنتاج الاحترافي. هذا النهج سيتيح المنافسة الحقيقية بين المنتجين والممثلين، ويشجع على الابتكار وتقديم أفكار جديدة. إضافة إلى ذلك، يجب الخروج من بوتقة الكوميديا الارتجالية والمبتذلة، التي قد تصل إلى حد التهريج والاستخفاف بالمشاهد، والتوجه نحو دراما متنوعة تعالج قضايا المجتمع بجدية وعمق، وتقدم محتوى ذا قيمة فنية وفكرية حقيقية، مما يرفع من مستوى الذوق العام ويسهم في تشكيل هوية ثقافية سعودية معاصرة ومتميزة على الساحة العالمية.

spot_imgspot_img