في خطوة محورية نحو تعزيز الشفافية والاحترافية في القطاع المالي السعودي، أعلنت الهيئة السعودية للمراجعين والمحاسبين (SOCPA) عن حزمة ضوابط جديدة تُلزم جميع ممارسي مهنة الاستشارات المالية (لغير الأوراق المالية) بالحصول على ترخيص رسمي. يأتي هذا القرار ليضع حداً للممارسات غير النظامية، مؤكداً على التزام الهيئة برفع جودة الخدمات وحماية المتعاملين من أي ممارسات غير مهنية قد تضر بمصالحهم أو بسمعة القطاع المالي ككل.
تُعد هذه الضوابط جزءاً لا يتجزأ من الجهود المستمرة للمملكة العربية السعودية لتعزيز بيئة الأعمال وتطوير القطاع المالي، بما يتماشى مع أهداف رؤية السعودية 2030 الطموحة. ففي ظل التوسع الاقتصادي المتسارع والتنوع الذي تشهده المملكة، تزداد الحاجة إلى استشارات مالية موثوقة وذات جودة عالية لدعم الشركات والأفراد في اتخاذ قراراتهم الاستثمارية والمالية. تاريخياً، شهدت مهنة الاستشارات المالية نمواً ملحوظاً، لكنها كانت بحاجة إلى إطار تنظيمي أكثر صرامة لضمان الكفاءة والنزاهة، وهو ما تسعى الهيئة لتحقيقه من خلال هذه اللوائح.
وأوضحت القواعد المعتمدة من مجلس إدارة الهيئة أن ممارسة الاستشارات المالية ستكون مقصورة على السعوديين المتفرغين، مع تحديد متطلبات دقيقة للتأهيل. تشمل هذه المتطلبات الحصول على المؤهل العلمي المناسب، واكتساب الخبرة العملية الكافية في المجال، واجتياز البرامج التدريبية المعتمدة التي تضمن تحديث المعرفة والمهارات، بالإضافة إلى التسجيل في عضوية الهيئة قبل بدء النشاط. هذه الشروط تهدف إلى ضمان أن يكون المستشارون الماليون على دراية تامة بالأنظمة المحلية والمعايير الدولية، وقادرين على تقديم أفضل الخدمات لعملائهم.
ولم تغفل الهيئة وضع إطار زمني للممارسين الحاليين، حيث شددت على أن الممارسين غير المتفرغين لن يُسمح لهم بالاستمرار في تقديم الاستشارات لأكثر من ثلاث سنوات من تاريخ سريان الضوابط. هذا الإجراء يمنحهم فرصة لتوفيق أوضاعهم والالتزام بالمتطلبات الجديدة، مؤكدة أن أي إخلال بالضوابط سيُواجه بإجراءات نظامية صارمة، مما يعكس جدية الهيئة في تطبيق هذه المعايير.
وفي إطار تعزيز الانضباط المهني وحماية السوق، أقرت الهيئة سلماً للعقوبات يبدأ بالإنذار، ويتدرج ليصل إلى الإيقاف المؤقت عن المزاولة أو شطب الترخيص نهائياً. تُطبق هذه العقوبات عند فقدان أحد شروط الأهلية أو تكرار المخالفات، مما يضمن وجود رادع قوي للممارسات غير الأخلاقية أو غير المهنية. هذه الآلية الرقابية الصارمة تهدف إلى بناء ثقة أكبر بين المستشارين والعملاء، وتعزيز سمعة القطاع المالي السعودي.
كما ألزمت القواعد الجديدة المرخص لهم بالاحتفاظ بمسودات التقارير وأوراق العمل لمدة لا تقل عن 10 سنوات، إضافة إلى تزويد الهيئة ببيانات سنوية مفصلة عن طبيعة الخدمات المقدمة والجهات المستفيدة. هذه المتطلبات تعزز الشفافية وتضمن إمكانية مراجعة الأعمال والتحقق من الالتزام بالمعايير المهنية المعتمدة، مما يساهم في بيئة عمل أكثر مسؤولية. من المتوقع أن يكون لهذه الضوابط تأثير إيجابي كبير على الاقتصاد المحلي، حيث ستساهم في رفع مستوى الخدمات المالية المقدمة، وجذب الكفاءات السعودية، وتعزيز مكانة المملكة كمركز مالي إقليمي ودولي موثوق به، مما يدعم النمو الاقتصادي المستدام ويحمي مصالح جميع الأطراف المعنية.


