spot_img

ذات صلة

احتيال الملايين: عازف أورغ يفقد منزله بـ8 ملايين ريال بقبلة مزيفة

في تطورات مثيرة لقضية هزت الرأي العام السعودي، تكشفت تفاصيل جديدة حول إحدى ضحايا عصابة احتيال منظمة قادها رجل أعمال مزيّف، استهدفت شخصيات بارزة في المجتمع. هذه القضية، التي انفردت بنشر تفاصيلها صحيفة «عكاظ» في عددها 21366 الصادر بتاريخ 9 رجب 1447هـ الموافق 29 ديسمبر 2026م، تحت عنوان «احتيال بالملايين على مشرف سابق بالمنتخب وعضو شرف ناد جماهيري وشاعر وسيدة كفيفة»، تسلط الضوء على تزايد جرائم الاحتيال المالي في المنطقة، والتي تستغل الثقة الإنسانية وتتخذ أشكالاً متطورة ومعقدة.

تُعد جرائم الاحتيال المالي من التحديات الأمنية والاقتصادية الكبرى التي تواجه المجتمعات الحديثة، خاصة مع التطور التكنولوجي الذي يفتح آفاقاً جديدة للمحتالين لاستغلال الثغرات الرقمية والبشرية. ففي ظل الاعتماد المتزايد على المنصات الإلكترونية للتعاملات الحكومية والمالية مثل «أبشر» و«النفاذ الوطني» و«ناجز»، أصبح من الضروري تعزيز الوعي العام بمخاطر مشاركة المعلومات الشخصية والبيانات الحساسة. هذه القضية بالذات تبرز كيف يمكن للمحتالين أن يتسللوا إلى حياة الضحايا عبر بوابات إنسانية مزيفة، مستغلين ضعفهم وثقتهم.

الضحية الجديدة: قصة «أبو ريان» المؤلمة

روى عازف أورغ سعودي، يُعرف بلقب «أبو ريان»، لـ«عكاظ» فصول قصته المأساوية، كاشفاً كيف تحولت لفتة إنسانية مزعومة إلى واحدة من أبشع عمليات النصب والاحتيال المالي التي أودت بمنزله. «أبو ريان»، الذي عمل لسنوات طويلة في الوسط الفني كعازف هاوٍ رغم تخصصه الهندسي، ورافق كبار نجوم الغناء السعودي والعربي أمثال طلال مداح ومحمد عبده وعبادي الجوهر، وجد نفسه فريسة سهلة لمحتال محترف تمكن من الاستيلاء على منزله الفاخر في جدة، والذي يُقدر بنحو 8 ملايين ريال سعودي.

بداية فصول الخداع: «قبلة الاحتيال»

بدأت فصول الخداع في أحد مستشفيات جدة، حيث كان «أبو ريان» يتعافى من عملية قلب مفتوح. هناك، زاره رجل الأعمال المزيّف مصادفة، متقمصاً دور المتعاطف، وعارضاً عليه العلاج في ألمانيا على نفقته الخاصة. أنهى المحتال زيارته بقبلة على جبين «أبو ريان»، وصفها الأخير لاحقاً بـ«قبلة الاحتيال»، في مشهد إنساني مزيف تحوّل لاحقاً إلى مدخل لجريمة منظمة. هذه اللفتة، التي بدت في ظاهرها تعاطفاً، كانت في جوهرها بداية لنسج شبكة من الثقة المصطنعة.

يقول «أبو ريان» إن تلك المجاملة سرعان ما تحولت إلى صداقة مزيفة، ثم إلى ثقة عمياء. كثف المحتال زياراته لمنزل العازف الواقع في حي راقٍ بجدة، مقدماً نفسه «ابناً باراً»، ومبالغاً في مظاهر التقدير لكبر سنه. لم يكتفِ بذلك، بل عرض عليه توفير سائق سعودي خاص «لخدمته»، والذي تبين لاحقاً أنه أحد أفراد العصابة. هذه الخطوات المدروسة تهدف إلى بناء علاقة قوية مع الضحية، تمكن المحتال من اختراق دائرته الشخصية والوصول إلى معلوماته الحساسة.

ويروي الضحية تفاصيل دقيقة عن أساليب المحتال: «لاحظت عبر كاميرات المراقبة أن المحتال كان يأتي في كل مرة بسيارات فارهة من نوع «بنتلي»، «روزرايز»، و«مايباخ»، لإضفاء هالة من الثراء والمصداقية. ثم بدأ الفصل الأخطر حين سلّمني سائقاً سعودياً بحجة مساعدتي في مراجعة الدوائر الحكومية، وكان الهدف الحقيقي الوصول إلى حساباتي في منصات أبشر، والنفاذ الوطني، وناجز». هذه المنصات الرقمية، التي صممت لتسهيل حياة المواطنين، أصبحت للأسف أداة في أيدي المحتالين.

ويضيف «أبو ريان»: «المحتال اصطحبني لاحقاً إلى شقة فاخرة على البحر تفوق قيمتها السوقية خمسة ملايين، وعرض بيعها عليَّ بمليوني ريال، واستثمار بقية المبلغ في شركته مقابل عائد قدره 30 ألف ريال شهرياً، ثم طلب مني صك المنزل بزعم تحديثه، وقال إن لديه شخصاً يتولى ذلك، ثم طلب جوالي للدخول إلى الصك في ناجز من خلال النفاذ الوطني، وبعدها جرى تحديث الصك، ما أكسبني المزيد من الثقة في المحتال». هذه العروض المغرية والخطوات التي تبدو نظامية تزيد من إحكام القبضة على الضحية.

واستطرد الضحية: «في إحدى زياراته لمنزلي بحضور شريكه السائق طلب جهاز جوالي، وفي غفلة مني دخل على منصة ناجز، وحرَّر وكالة شرعية للسائق لبيع منزلي، واستلام الثمن، وصرف الشيك، وقام على الفور بحذف الرسائل النصية التي وصلت على الجوال لتوثيق عملية الوكالة الشرعية». هذه اللحظة الحاسمة كشفت عن مدى التخطيط المسبق والدقة في تنفيذ الجريمة، حيث تم التلاعب بالأنظمة الرقمية لسرقة ممتلكات الضحية دون علمه.

وبصوت تخنقه العبرة واصل «أبو ريان» سرد تفاصيل القصة: «بعدها بـ24 ساعة تم بيع منزلي بسعر يقارب 8 ملايين ريال، وانتقل العقار إلى المالك الجديد.. وأنا يا غافل لك الله!». هذه الجملة تلخص حجم الصدمة والخسارة التي تعرض لها العازف.

ملف «الاحتيال».. بدلاً عن «الألحان»!

اليوم، يعيش عازف الأورغ بعيداً عن الأضواء التي اعتادها، متنقلاً بين الجهات المختصة، حاملاً ملف قضيته بدلاً من آلته الموسيقية، باحثاً عن استعادة منزله وحقه الضائع. قصته تختصر كيف يمكن للثقة أن تتحول إلى كارثة، حين يأتي النصب والاحتيال متخفيين بثوب الإنسانية. وكشف «أبو ريان»، أنه تفاجأ أن صديقه مشرف المنتخب السعودي السابق كان ضمن قائمة الضحايا الذين وقعوا في فخ المحتال نفسه، مما يؤكد أن هذه العصابة كانت تستهدف شخصيات معروفة وتستخدم أساليب متقنة.

عازف الأورغ خلص إلى كشف معاناته الصحية والنفسية والمالية، مؤملاً الوصول إلى حل يعيد له عقاره الذي فقده بالاحتيال، لتعود حياته إلى طبيعتها بعيداً عن أروقة المحاكم. هذه المعاناة لا تقتصر على الخسارة المادية، بل تمتد لتشمل الآثار النفسية العميقة التي تتركها مثل هذه الجرائم على الضحايا.

العدالة تلاحق المتهمين: 250 دليلاً تدين العصابة

كانت «عكاظ» قد نشرت سابقاً تفاصيل قضية العصابة نفسها، المكونة من 11 متهماً، يقودهم رجل أعمال مزيّف، حوّل الوهم إلى تجارة بملايين الريالات، مستخدماً شاليهات فاخرة، وسيارات فارهة، وصفقات عقارية براقة لإيهام ضحاياه. كشفت النيابة العامة عن 250 دليلاً قوياً أدانت المتهمين، مما يعكس الجهود الكبيرة التي تبذلها الأجهزة الأمنية والقضائية في المملكة لمكافحة هذه الجرائم.

وقد صدر حكم نهائي بسجن أفراد العصابة، المكونة من 8 سعوديين و3 سودانيين، بإجمالي 155 سنة سجناً، إضافة إلى الغرامات، والمنع من السفر، ومصادرة الأموال والسلاح. هذا الحكم الصارم يبعث برسالة واضحة بأن القانون السعودي لا يتهاون مع مرتكبي جرائم الاحتيال، ويؤكد على التزام المملكة بحماية حقوق المواطنين والمقيمين.

القانون لا يتهاون: رأي المحامي فراس طرابلسي

المحامي فراس طرابلسي، أكد لـ«عكاظ» أن جرائم الاحتيال المالي تعد من الجرائم الجسيمة التي تمسّ الحق العام والحق الخاص معاً، ولا يتهاون النظام في التعامل معها لما تمثله من تهديد مباشر للثقة والاستقرار الاقتصادي. وتمتلك الجهات المختصة، وفي مقدمتها النيابة العامة وجهات التحقيق والضبط الجنائي، صلاحيات نظامية وأدوات متقدمة لكشف الجرائم، وتتبع مسارات الأموال، وتحليل مصادرها ومآلاتها، ويشمل ذلك تتبع بدايات الاحتيال وتحديد جميع المتورطين فيه، سواء كانوا فاعلين أصليين أو مساهمين، ولو بعد مرور زمن على الواقعة.

وختم المحامي طرابلسي بقوله: يظل حق المتضرر في المطالبة قائماً متى ثبت الاعتداء، سواء تعلّق الضرر بالأموال أو العقارات أو ما ترتّب عليه من آثار، ويُنظر في التعويض وفق ما تقرره الجهات القضائية المختصة. هذه التصريحات تعزز الأمل لدى الضحايا مثل «أبو ريان» في استعادة حقوقهم، وتؤكد على قوة النظام القضائي في المملكة العربية السعودية في مواجهة الجرائم المالية وحماية المجتمع من آثارها المدمرة.

spot_imgspot_img