أكد وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، أن نجاح المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران بشأن ملفهما النووي من شأنه أن يجعل المنطقة أكثر أماناً واستقراراً. جاء هذا التصريح في وقت حاسم تشهد فيه الدبلوماسية الدولية جهوداً مكثفة لإعادة إحياء الاتفاق النووي الإيراني، المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA).
وأعرب الأمير فيصل بن فرحان عن دعم الرياض للمباحثات الجارية، مشيراً إلى أن الجميع يرغب في نجاح هذه المفاوضات لما لها من تداعيات إيجابية على الأمن الإقليمي والدولي. تأتي هذه التصريحات في سياق تاريخ طويل من التوترات بين إيران والقوى الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، بشأن برنامج طهران النووي وطموحاتها الإقليمية.
السياق التاريخي وأهمية المفاوضات:
تعود جذور الأزمة النووية الإيرانية إلى عقود مضت، وتصاعدت بشكل كبير مع اكتشاف برنامج إيران النووي السري. في عام 2015، تم التوصل إلى الاتفاق النووي (JCPOA) بين إيران ومجموعة 5+1 (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، فرنسا، المملكة المتحدة، وألمانيا)، والذي هدف إلى تقييد قدرات إيران النووية مقابل رفع العقوبات الدولية. ومع ذلك، انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018 في عهد الرئيس دونالد ترامب، وأعادت فرض عقوبات مشددة تحت حملة “الضغط الأقصى”. رداً على ذلك، بدأت إيران في التراجع تدريجياً عن التزاماتها النووية، بما في ذلك زيادة تخصيب اليورانيوم إلى مستويات أعلى، مما أثار قلقاً دولياً متزايداً.
تعتبر هذه المفاوضات الحالية، التي غالباً ما تجري في فيينا أو عبر وسطاء، محاولة حاسمة لإعادة الطرفين إلى الالتزام الكامل بالاتفاق. إن نجاحها يمثل خطوة ضرورية نحو نزع فتيل التوترات وتقليل مخاطر التصعيد العسكري في منطقة الخليج العربي، التي تعد شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي.
دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية:
من جانبها، أعلن المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، استعداد الوكالة الدائم لإرسال مفتشيها إلى إيران لتفتيش المنشآت النووية. وأوضح غروسي في مقابلة مع قناة “روسيا 24” أن موقف الوكالة هو إعادة الأطراف إلى طاولة المفاوضات والتوصل إلى اتفاق يسمح بالعودة الكاملة لمفتشي الوكالة إلى إيران. وأضاف أن الوكالة بحاجة للخروج من “المأزق” الذي وجدت نفسها فيه بعد “حرب الكلمات” في يونيو الماضي، مؤكداً أن الجميع يعلم أن هناك شيئاً ما، لكنهم لا يستطيعون فعل أي شيء حيال ذلك دون الوصول الكامل.
وأشار غروسي إلى أن الولايات المتحدة لا ترغب في رؤية أي نشاط نووي في إيران، وهو ما يتعارض مع موقف طهران التي تؤكد على حقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية. وشدد على أن مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية ضروريون لتحديد مدى التزام إيران بالاتفاقيات المبرمة، وإلا فإن خطر تجدد الصراع يظل قائماً. إن قدرة الوكالة على التحقق من البرنامج النووي الإيراني بشفافية وموضوعية هي حجر الزاوية في بناء الثقة الدولية ومنع انتشار الأسلحة النووية.
تأثيرات إقليمية ودولية:
إن نجاح هذه المفاوضات له أهمية قصوى تتجاوز حدود الدولتين المعنيتين. على الصعيد الإقليمي، يمكن أن يساهم في تهدئة الصراعات بالوكالة وتقليل التدخلات التي تزعزع الاستقرار. المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى لديها مصلحة راسخة في رؤية منطقة خالية من التهديدات النووية، وتدعم أي جهد دبلوماسي يضمن عدم تطوير إيران لأسلحة نووية، مع معالجة المخاوف المتعلقة ببرنامجها الصاروخي وسلوكها الإقليمي.
على الصعيد الدولي، يعزز التوصل إلى اتفاق مبدأ عدم الانتشار النووي ويظهر فعالية الدبلوماسية في حل النزاعات المعقدة. الفشل في التوصل إلى حل قد يؤدي إلى سباق تسلح نووي في المنطقة، مما يهدد الأمن العالمي بأسره. وفي هذا السياق، أظهر تحليل أجرته صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية لصور الأقمار الصناعية أن إيران تمكنت، وبسرعة، من إصلاح العديد من منشآت الصواريخ الباليستية التي تضررت في ضربات جوية العام الماضي، مما يؤكد على قدرتها على إعادة بناء قدراتها العسكرية بسرعة.
عقد الجانبان، الأمريكي والإيراني، اجتماعات في سلطنة عمان في محاولة لتجنب اندلاع صراع آخر، على الرغم من تلميحات سابقة من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب باللجوء إلى العمل العسكري. هذه الجهود الدبلوماسية المستمرة، رغم تعقيداتها، هي السبيل الوحيد لتفادي تصعيد قد تكون عواقبه وخيمة على المنطقة والعالم.


