ارتفاع قياسي للإنتاج الصناعي السعودي 10.4%.. والقطاعات غير النفطية تزدهر
أظهرت أحدث البيانات الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء في المملكة العربية السعودية نموًا ملحوظًا في مؤشر الرقم القياسي لكميات الإنتاج الصناعي، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 10.4% خلال شهر نوفمبر الماضي مقارنة بالشهر ذاته من العام السابق. هذا النمو يعكس ديناميكية الاقتصاد السعودي وجهوده المستمرة نحو التنويع الاقتصادي وتعزيز قدراته الإنتاجية.
يأتي هذا الارتفاع في سياق رؤية المملكة 2030 الطموحة، التي تهدف إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للاقتصاد. وتعتبر الصناعة أحد الركائز الأساسية لتحقيق هذه الرؤية، حيث تسعى المملكة إلى بناء قاعدة صناعية قوية ومتنوعة تسهم في الناتج المحلي الإجمالي وتوفر فرص عمل للمواطنين. وقد شهدت السنوات الأخيرة استثمارات ضخمة في البنية التحتية الصناعية ودعمًا حكوميًا للقطاعات غير النفطية، مما بدأ يؤتي ثماره في شكل نمو مستدام يعزز مكانة المملكة الاقتصادية.
وقد جاء هذا الأداء الإيجابي مدعومًا بشكل أساسي بارتفاع نشاط التعدين واستغلال المحاجر، بالإضافة إلى النمو القوي في نشاط الصناعة التحويلية. كما ساهمت أنشطة إمدادات المياه والصرف الصحي وإدارة النفايات ومعالجتها في هذا الزخم التصاعدي. وعلى الرغم من الانخفاض الشهري الطفيف بنسبة 0.7% في نوفمبر الماضي مقارنة بشهر أكتوبر، إلا أن النظرة السنوية تظل إيجابية للغاية، مما يؤكد على قوة الدفع الاقتصادية.
نمو متوازن: النفطية وغير النفطية
تُظهر البيانات تفصيلاً أن مؤشر الرقم القياسي للأنشطة النفطية شهد ارتفاعًا بنسبة 12.9% على أساس سنوي في نوفمبر الماضي، بينما سجل مؤشر الأنشطة غير النفطية نموًا بنسبة 4.4%. هذا التوازن في النمو بين القطاعين يعكس استراتيجية المملكة في تعزيز القطاعات غير النفطية مع الاستفادة من قدراتها النفطية، مما يضمن استقرارًا اقتصاديًا وتنوعًا في مصادر النمو.
التعدين والمحاجر: محرك رئيسي
في تفصيل أكثر، ارتفع مؤشر الرقم القياسي الفرعي لنشاط التعدين واستغلال المحاجر بنسبة 12.6% على أساس سنوي. ويعزى هذا الارتفاع بشكل مباشر إلى زيادة مستوى الإنتاج النفطي في المملكة، الذي وصل إلى 10.1 مليون برميل يومياً في نوفمبر الماضي، مقارنة بـ 8.9 مليون برميل يومياً في الشهر المماثل من العام السابق. وعلى الصعيد الشهري، سجل هذا المؤشر ارتفاعًا طفيفًا بنسبة 0.5%، مما يدل على استمرارية الأداء القوي في هذا القطاع الحيوي.
الصناعات التحويلية: قيمة مضافة للاقتصاد
أما قطاع الصناعات التحويلية، فقد سجل مؤشره الفرعي ارتفاعًا بنسبة 8.1% على أساس سنوي. وقد كان هذا النمو مدفوعًا بشكل خاص بنشاط صناعة فحم الكوك والمنتجات النفطية المكررة، الذي ارتفع بنسبة 14.5%، وكذلك نشاط صناعة المواد الكيميائية والمنتجات الكيميائية، الذي نما بنسبة 10.9%. هذه الأرقام تؤكد على الدور المحوري للصناعات البتروكيماوية في الاقتصاد السعودي وقدرتها على تحقيق قيمة مضافة عالية. وعلى المستوى الشهري، شهد المؤشر الفرعي للصناعة التحويلية ارتفاعًا بنسبة 0.3%، مدعومًا بنفس القطاعات الفرعية، مما يعكس استمرار الزخم الإيجابي.
أداء قطاعات الخدمات
على صعيد قطاعات الخدمات، سجل الرقم القياسي الفرعي لنشاط إمدادات الكهرباء والغاز والبخار وتكييف الهواء انخفاضًا بنسبة 4.3% على أساس سنوي. في المقابل، شهد الرقم القياسي الفرعي لنشاط إمدادات المياه والصرف الصحي وأنشطة إدارة النفايات ومعالجتها ارتفاعًا ملحوظًا بنسبة 10.2% مقارنة بنوفمبر من العام السابق. وعند المقارنة بشهر أكتوبر الماضي، يلاحظ انخفاض في مؤشري إمدادات الكهرباء والغاز والمياه والصرف الصحي بنسب 28.6% و3.1% على التوالي، مما قد يعكس تغيرات موسمية في الطلب أو كفاءة في الاستهلاك.
الأهمية والتأثير: محلياً ودولياً
إن هذا النمو المستمر في الإنتاج الصناعي يحمل دلالات إيجابية متعددة على الصعيدين المحلي والدولي. محلياً، يعزز من فرص خلق الوظائف للمواطنين السعوديين، ويدعم نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة، ويزيد من مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي، مما يقلل من تقلبات الاقتصاد المرتبطة بأسعار النفط. كما يعكس نجاح البرامج الحكومية الهادفة إلى تمكين الصناعات الوطنية وزيادة قدرتها التنافسية. على الصعيد الإقليمي والدولي، تعزز المملكة مكانتها كمركز صناعي ولوجستي رئيسي، خاصة في قطاعات البتروكيماويات والمعادن، مما يجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة ويساهم في استقرار سلاسل الإمداد العالمية. هذا التوسع الصناعي يعكس الثقة المتزايدة في البيئة الاستثمارية للمملكة وقدرتها على تحقيق أهدافها الاقتصادية الطموحة.
في الختام، تؤكد هذه الأرقام الإيجابية على المسار الصحيح الذي تسلكه المملكة العربية السعودية نحو تحقيق أهداف رؤيتها 2030، من خلال بناء اقتصاد متنوع ومستدام. ومع استمرار الاستثمار في القطاعات الصناعية غير النفطية وتطوير البنية التحتية، من المتوقع أن يشهد الإنتاج الصناعي السعودي المزيد من النمو والازدهار في السنوات القادمة، مما يعزز مكانة المملكة كقوة اقتصادية إقليمية وعالمية.


