مقدمة: مسيرة راسخة نحو العدالة المؤسسية
أكد المحامي كاتب الشمري، عضو الهيئة السعودية للمحامين واتحاد المحامين العرب، أن مسيرة العدل في المملكة العربية السعودية تمثل نموذجاً تاريخياً متصاعداً في ترسيخ سيادة القانون وبناء الدولة المؤسسية. وفي تصريح له، رفع الشمري تهنئته للقيادة الرشيدة ممثلة في خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، مشيداً بالأسس المتينة التي قامت عليها المنظومة العدلية منذ نشأة الدولة السعودية الأولى وحتى العهد الزاهر الحالي الذي يشهد تحولات نوعية غير مسبوقة.
السياق التاريخي: جذور العدالة في الدولة السعودية
تعود جذور النظام القضائي السعودي إلى قيام الدولة السعودية الأولى عام 1727م، التي اتخذت من الشريعة الإسلامية أساساً للحكم ومرجعاً للقضاء. شكّل القضاء الشرعي آنذاك أداة محورية لتوحيد المجتمع، وضبط المعاملات، وصون الحقوق، مما أسهم في بناء ثقة مجتمعية راسخة. ومع قيام الدولة السعودية الثانية، شهد البناء الإداري والقضائي تطوراً تنظيمياً ملحوظاً، مع اهتمام متزايد بتعيين القضاة وتنظيم الولايات، مما حافظ على استمرارية مبدأ العدالة. وقد مثّلت مرحلة التوحيد بقيادة الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن نقطة تحول مفصلية، حيث تم توحيد الأنظمة القضائية في مختلف المناطق وإرساء هياكل إدارية حديثة، لتؤسس بذلك للدولة القانونية الحديثة. وشهدت عهود الملوك المتعاقبين نقلات نوعية متدرجة، أبرزها إنشاء وزارة العدل وتطوير ديوان المظالم، مما عزز اليقين القانوني ورسّخ دور العدالة كرافعة تنموية.
رؤية 2030: تسريع وتيرة التحول والتطوير
شكل إطلاق رؤية المملكة 2030 نقطة انطلاق لمرحلة تسارع تشريعي وتنظيمي هائلة. ففي إطار برنامج التحول الوطني، شهدت المنظومة العدلية مبادرات نوعية تهدف إلى رفع كفاءة الأداء وتحقيق التميز المؤسسي. ويبرز الدور المحوري لوزارة العدل بقيادة معالي الوزير الدكتور وليد الصمعاني في قيادة هذا التحول، حيث تم تحقيق التحول الرقمي الكامل في خدمات التوثيق ورقمنة معظم الخدمات القضائية. أسهمت هذه الخطوة في تقليص الإجراءات بشكل كبير وتسريع دورة التقاضي، مما انعكس إيجاباً على تجربة المتقاضين.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع
لا تقتصر أهمية هذه الإصلاحات على الجانب المحلي، بل تمتد لتشمل التأثير الإقليمي والدولي. فعلى الصعيد المحلي، أدى تفعيل منظومة “العدالة الوقائية” عبر السندات التنفيذية الإلكترونية (مثل عقود الإيجار الموحدة) إلى خفض تدفق القضايا للمحاكم. كما أن التوسع في المحاكم النموذجية المتخصصة (عمالية، تجارية، أحوال شخصية) وتدشين المحكمة الافتراضية للتنفيذ، قد رفع من جودة الأحكام وسرعة إنجازها. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فقد أسهم تطوير الإجراءات المرتبطة بإنفاذ العقود في رفع تصنيف المملكة عالمياً في هذا المؤشر، وهو ما يعكس نضج البيئة القضائية ويعزز ثقة المستثمرين الأجانب، ويدعم جاذبية المملكة كمركز اقتصادي رائد. إن هذا النموذج الذي يجمع بين الأصالة الشرعية وأحدث الأدوات التقنية يعزز دور القضاء في دعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ويقدم نموذجاً رائداً في التطوير العدلي على مستوى المنطقة.
خاتمة: نحو مستقبل عدلي مستدام
وختم الشمري تصريحه بالتأكيد على أن المرحلة الراهنة تعكس انتقال العدالة في المملكة إلى نموذج مؤسسي عالي الكفاءة. من خلال مبادرات مثل إنشاء صندوق النفقة المستدام وتفعيل مكاتب المصالحة، تُظهر المنظومة التزامها بتعزيز الحماية الاجتماعية وتقديم حلول شاملة. هذه المسيرة العدلية الراسخة تمضي بثبات نحو المستقبل، معززة ثقة المتقاضين ومؤكدة على دور القضاء كركيزة أساسية في تحقيق أهداف التنمية المستدامة لرؤية 2030.


