
حقبة جديدة من تنظيم سوق العمل السعودي
في خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز جاذبية بيئة الأعمال وحماية حقوق كافة الأطراف، أصدر وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، المهندس أحمد الراجحي، قراراً وزارياً هاماً يقضي بتعديل جدول المخالفات والعقوبات لنظام العمل ولائحته التنفيذية. وتأتي هذه الخطوة انسجاماً مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي تسعى لرفع كفاءة سوق العمل وجعله في مصاف الأسواق العالمية من حيث التنظيم وحفظ الحقوق.
وتعد هذه التعديلات جزءاً من سلسلة إصلاحات تشريعية واسعة تشهدها المملكة، حيث لم تعد القوانين تقتصر على تنظيم العلاقة التعاقدية فحسب، بل امتدت لتشمل جوانب حقوق الإنسان ومكافحة الاتجار بالأشخاص، وهو ما يعكسه التشديد في عقوبات احتجاز الوثائق وتشغيل الأطفال.
تفاصيل العقوبات المالية: حزم في مواجهة المخالفات
تضمن الجدول الجديد تصنيفاً دقيقاً للمخالفات، حيث برزت عقوبة الاحتفاظ بجواز سفر العامل أو إقامته كواحدة من أبرز التعديلات، بفرض غرامة قدرها 3000 ريال، وتتعدد هذه الغرامة بتعدد العمال المتضررين. ويأتي هذا الإجراء للقضاء على الممارسات القديمة التي كانت تقيد حرية التنقل للعاملين، مما يعزز من تصنيف المملكة في مؤشرات حقوق العمال الدولية.
وفيما يخص تنظيم العمالة الوافدة، نص القرار على غرامة 10,000 ريال في حال قيام صاحب العمل بتشغيل عامل غير سعودي دون الحصول على رخصة عمل، وهو ما يؤكد جدية الوزارة في القضاء على التستر التجاري والعمالة السائبة.
حماية الأسرة والطفولة في بيئة العمل
أولى القرار اهتماماً خاصاً بالفئات المستضعفة، حيث صُنفت مخالفة تشغيل الأطفال ممن لم يتموا الـ15 عاماً كمخالفة “جسيمة”، بعقوبة تصل إلى 2000 ريال للمنشآت الكبيرة (50 عاملاً فأكثر). كما تم تغليظ العقوبات المتعلقة بحقوق المرأة العاملة، حيث تبلغ غرامة عدم الالتزام بإجازة الوضع 1000 ريال، وتصل عقوبة عدم توفير مكان لرعاية الأطفال في المنشآت الكبرى إلى 3000 ريال، وذلك دعماً لتمكين المرأة في سوق العمل وضمان استقرارها الوظيفي والأسري.
التوثيق الإلكتروني: ركيزة التحول الرقمي
تماشياً مع التحول الرقمي الذي تقوده منصات مثل “قوى” و”مدد”، فرضت التعديلات غرامة 1000 ريال عن كل عامل لا يتم توثيق عقده إلكترونياً. ويعد هذا التوثيق حجر الزاوية في تقليل النزاعات العمالية، حيث يضمن وجود مرجعية قانونية واضحة وموثقة تحفظ حقوق الطرفين وتسهل إجراءات التقاضي عند الحاجة.
عقوبات مغلظة لمخالفات التوظيف والاستقدام
وفي سياق تنظيم نشاط الاستقدام، وضع الجدول عقوبات تصاعدية رادعة للأفراد الذين يمارسون نشاط توظيف السعوديين أو استقدام العمالة دون ترخيص. حيث تبدأ الغرامة من 200 ألف ريال للمرة الأولى، وترتفع لتصل إلى 250 ألف ريال في المرة الثالثة، مما يعكس حرص الوزارة على حصر هذه الأنشطة في القنوات الرسمية المرخصة لضمان الجودة والموثوقية.
الأثر المتوقع: بيئة عمل مستدامة وجاذبة
من المتوقع أن تسهم هذه التعديلات في خلق بيئة عمل أكثر شفافية وعدالة، مما يشجع الاستثمار الأجنبي والمحلي على حد سواء. فوضوح الأنظمة وصرامة العقوبات يعطيان رسالة طمأنة للمستثمرين وللكفاءات البشرية بأن حقوقهم مصانة بقوة القانون. وقد دعت الوزارة كافة المنشآت للاطلاع على التفاصيل الكاملة عبر موقعها الرسمي، مؤكدة أن التطبيق سيبدأ فوراً من تاريخ صدور القرار، مما يستوجب على أصحاب العمل سرعة تصحيح أوضاعهم لتجنب هذه العقوبات.


