
يستعد المنتدى السعودي للإعلام 2026 لفتح آفاق جديدة في النقاش العالمي حول التنمية الحضرية، وذلك من خلال جلسة محورية بعنوان «نحو معيار عالمي جديد لجودة الحياة في المدن». هذه الجلسة لا تكتفي بطرح السؤال الجوهري حول كيفية قياس جودة الحياة في المدن بمعيار واحد يفهمه العالم، بل تقدم إجابة عملية ومبتكرة عبر إطلاق معيار عالمي جديد يهدف إلى توفير إطار شامل وموحد لتقييم رفاه الإنسان في البيئات الحضرية.
ينطلق هذا المعيار من رؤية متكاملة تجمع الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والحضرية، والتي تشكل مجتمعة نسيج الحياة اليومية للمواطنين والمقيمين. الفكرة الأساسية تكمن في إنشاء لغة مشتركة للمدن، وأداة قياس موثوقة تتيح مقارنة موضوعية لرفاه الإنسان عبر مختلف المدن حول العالم، مما يسهل فهم التحديات والفرص وتوجيه الجهود نحو تحسين مستدام.
السياق العالمي وأهمية المعيار الجديد
تأتي هذه المبادرة في وقت يشهد فيه العالم تسارعًا غير مسبوق في التحضر، حيث يعيش أكثر من نصف سكان الكوكب في المدن، ومن المتوقع أن ترتفع هذه النسبة بشكل كبير خلال العقود القادمة. هذا النمو الحضري يضع ضغوطًا هائلة على البنية التحتية والخدمات والموارد، ويزيد من أهمية التركيز على جودة الحياة كعنصر أساسي في التخطيط والتنمية. لطالما سعت المنظمات الدولية والحكومات والمؤسسات البحثية إلى تطوير مؤشرات لقياس جودة الحياة، لكن التحدي الأكبر كان يكمن في غياب معيار موحد يمكن تطبيقه عالميًا، مما أدى إلى تباين في المنهجيات وصعوبة في المقارنات الدقيقة.
في هذا السياق، يبرز المعيار العالمي الجديد كاستجابة حاسمة لهذه الحاجة الملحة. إنه ليس مجرد مجموعة من الأرقام، بل إطار مفاهيمي ومنهجي يضع جودة الحياة في المدن ضمن صورة متكاملة، حيث تتشابك عناصر الاقتصاد والمجتمع والبيئة والعمران لتشكل حصيلة مترابطة لرفاه الإنسان. هذا المنهج يبتعد عن تجزئة القياس إلى أرقام منفصلة، ويتبنى رؤية شمولية تعكس التعقيد والتداخل بين هذه الأبعاد.
رؤية المملكة 2030 وبرنامج جودة الحياة
تتماشى هذه المبادرة بشكل وثيق مع رؤية المملكة 2030 الطموحة، التي تضع تحسين جودة الحياة في صميم أهدافها الاستراتيجية. برنامج جودة الحياة، أحد برامج تحقيق الرؤية، يسعى إلى تطوير البيئة اللازمة لدعم واستحداث خيارات جديدة تعزز مشاركة المواطنين والمقيمين في الأنشطة الثقافية والترفيهية والرياضية، وتساهم في تحسين نمط حياتهم. إطلاق معيار عالمي من الرياض يعكس التزام المملكة بدور ريادي في صياغة مستقبل المدن العالمية، ويؤكد على سعيها لتقديم حلول مبتكرة للتحديات الحضرية.
تأثير المعيار على تنافسية المدن وصياغة السياسات
إن توحيد معايير القياس يخلق مساحة عادلة للمقارنة بين المدن، ويُبرز الفوارق التي تصنعها السياسات الحضرية الفعالة والبرامج التنموية ومقاربات التطوير المستدام. في هذا السياق، يصبح المعيار العالمي أداة قوية تُترجم جودة الحياة في المدن إلى مؤشرات يمكن استخدامها لفهم موقع المدينة على الخريطة العالمية للتنافسية. ومع اتساع الاهتمام بجودة الحياة كعامل جذب للاستثمار والمواهب، يصبح القياس الموحد عاملًا مؤثرًا في سردية المدينة، وفي صورتها، وفي قدرتها على جذب الاهتمام الدولي.
علاوة على ذلك، تتعمق الجلسة في العلاقة بين جودة الحياة وصياغة السياسات الحضرية المستدامة. عندما تتضح صورة المؤثرات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والحضرية من خلال بيانات موثوقة، تتجه السياسات نحو حلول أكثر استهدافًا وتوازنًا بين الاحتياجات المختلفة، وتستهدف رفاه الإنسان بشكل مباشر. المعيار العالمي، بوصفه إطارًا شاملًا، يمنح صانع القرار أداة تربط الرؤية بالتطبيق، وتدعم بناء سياسات حضرية أكثر اتساقًا مع مفهوم الاستدامة. بهذه الزاوية، تتحول جودة الحياة في المدن إلى بوصلة توجه التخطيط، وتُحسّن الخيارات، وتُقارب التحديات ضمن منطق متكامل ومستقبلي.
آفاق التطبيق والتبني الدولي
الحديث عن تطبيق معيار عالمي يعني بحث قابلية التبني على نطاق واسع، وكيف يمكن للمدن حول العالم التعامل معه كأداة قياس قابلة للاستخدام في الواقع؟ هنا تتضح أهمية المنتدى السعودي للإعلام بوصفه منصة عالمية تطرح هذا الملف أمام جمهور واسع من الخبراء وصناع القرار والإعلاميين، وتمنحه مساحة للحوار المتخصص حول مستقبل جودة الحياة في المدن. هذا التبني الدولي يمكن أن يؤدي إلى تعاون أوسع بين المدن لتبادل أفضل الممارسات، وتوجيه الاستثمارات نحو المشاريع التي تعزز جودة الحياة، ووضع معايير عالمية للتنمية الحضرية المستدامة.
يشارك في هذه الجلسة الهامة المدير العام لإدارة الأداء في مركز برنامج جودة الحياة، الأستاذ عبدالله الحربي. حضوره يضع الأداء والقياس في صميم النقاش، مؤكدًا على أن معيارًا عالميًا يحتاج إلى من يفكر بمنطق المتابعة والتحسين المستمر. موقعه الوظيفي يرتبط مباشرة بفكرة المعيار العالمي، وبكيفية تحويل المفاهيم والمنهجيات إلى أدوات قياس تُقرأ وتُقارن وتُستخدم بفعالية.
يضع المنتدى السعودي للإعلام 2026 جلسة «نحو معيار عالمي جديد لجودة الحياة في المدن» في واجهة النقاش العام بوصفها خطوة معرفية ذات أثر مباشر: معيار عالمي يُقاس به رفاه الإنسان عبر أبعاد اقتصادية واجتماعية وبيئية وحضرية، ونقاش يربط القياس بتنافسية المدن، ويصل بجودة الحياة في المدن إلى مساحة أكثر وضوحًا للسياسات والتطبيق والتبنّي الدولي، مما يعزز مكانة المملكة كمركز فكري رائد في مجال التنمية الحضرية المستدامة.


