spot_img

ذات صلة

المنتدى السعودي للإعلام: اقتصاد المحتوى، الذكاء الاصطناعي ومستقبل المهنة

شهد المنتدى السعودي للإعلام، خلال فترة وجيزة، تحولاً نوعياً لافتاً، إذ ارتقى من كونه مجرد ملتقى مهني سنوي إلى منصة وطنية رائدة تستشرف آفاق مستقبل صناعة الإعلام في ظل التحولات الرقمية والتقنية المتسارعة التي يشهدها العالم. لم يعد المنتدى يقتصر على مناقشة قضايا التحرير التقليدية أو السبق الصحفي، بل اتسع نطاق اهتماماته ليشمل محاور استراتيجية بالغة الأهمية مثل اقتصاد المحتوى الرقمي، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وصناعة التأثير في العصر الحديث. هذا التطور يعكس رؤية المملكة العربية السعودية الطموحة نحو بناء اقتصاد معرفي متنوع، وتأكيد دور الإعلام كقوة دافعة للتنمية والابتكار، بما يتماشى مع أهداف رؤية 2030.

تاريخياً، بدأت المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة تولي اهتماماً متزايداً بتطوير قطاع الإعلام، إدراكاً منها لأهميته في تشكيل الرأي العام ودعم التنمية الشاملة. وقد جاء المنتدى السعودي للإعلام ليكون تتويجاً لهذه الجهود، حيث وفر منذ انطلاقته مساحة حيوية تجمع نخبة من الإعلاميين وصناع القرار والشركات التقنية الرائدة، بهدف تبادل الخبرات وبحث التحديات والفرص المستقبلية للمهنة. ومع تداعيات جائحة كوفيد-19، التي سرّعت من وتيرة التحول الرقمي عالمياً، برزت قضايا اقتصاديات الإعلام ونماذج الربح الرقمية كأولوية قصوى، وصعد دور الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات كأدوات أساسية في تشكيل غرف الأخبار الحديثة وتطوير المحتوى الإعلامي.

لم يكتفِ المنتدى بكونه منبراً للنقاشات، بل تطور ليصبح مركزاً متكاملاً للتدريب والتطوير، حيث يشمل ورش عمل متخصصة ومعارض تقنية مبتكرة، أبرزها معرض مستقبل الإعلام (FOMEX). هذا المعرض يمثل نافذة على أحدث الابتكارات والحلول التقنية في عالم الإعلام، ويؤكد على التحول الجذري للمهنة من مجرد نقل للخبر إلى صناعة واستثمار يتطلب مهارات جديدة واستراتيجيات مبتكرة. يهدف المنتدى من خلال هذه المبادرات إلى تمكين الإعلاميين من مواكبة التغيرات، وتزويدهم بالأدوات اللازمة للنجاح في المشهد الإعلامي الجديد.

في قلب هذه التحولات، تبرز نقاشات حيوية حول التحديات الأخلاقية المصاحبة لدمج التقنيات الحديثة. ترى الإعلامية سهى الوعل أن المنتدى يواكب تحولات الذكاء الاصطناعي بشكل تطبيقي وملموس، مما يعزز من قدرة الإعلاميين على الاستفادة منه. وتضيف الإعلامية ريم العمري أن المرحلة القادمة تتطلب ورش عمل عملية مكثفة لمساعدة الإعلاميين على مواكبة هذا التحول بثقة واقتدار. من جانبه، يؤكد الإعلامي أحمد القرني على أن القيمة الحقيقية للمنتدى تكمن في الانتقال من مجرد الانبهار بالتقنية إلى حوكمة استخدامها، وطرح أسئلة جوهرية حول التحقق من المعلومات والمسؤولية التحريرية في عصر الذكاء الاصطناعي. ويشدد الإعلامي علي الشهري على أن نجاح المنتدى يقاس بمدى قدرته على تقريب التقنية من واقع غرفة الأخبار اليومي، وجعلها أداة عملية بيد الصحفي.

وفي سياق صحافة الذكاء الاصطناعي، يرى الإعلامي هاشم القرني أن صحافة الأجهزة الذكية والذكاء الاصطناعي لم تعد مجرد مفاهيم مستقبلية، بل باتت جزءاً لا يتجزأ من العمل اليومي في نقل الأخبار وتطوير المحتوى. وتوضح نورة عسيري أن التحول الرقمي لم يعد أمراً مستقبلياً بل أضحى واقعاً يومياً ملموساً، حيث أصبحت البيانات الضخمة جزءاً لا يتجزأ من العملية التحريرية وصناعة القرار الإعلامي. فيما شدد الإعلامي حسن عسيري على أن المنتدى نجح في رفع مستوى الوعي بأهمية توظيف الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات بشكل فعال لتعزيز جودة المحتوى الإعلامي ودقته.

إن أهمية المنتدى السعودي للإعلام تتجاوز الحدود المحلية، ليكون له تأثير إقليمي ودولي ملموس. محلياً، يساهم المنتدى في تطوير الكفاءات الإعلامية الوطنية، ويحفز الابتكار، ويخلق فرص عمل جديدة في قطاع الإعلام الرقمي المتنامي، مما يدعم أهداف التنمية المستدامة للمملكة. إقليمياً، يعزز المنتدى مكانة السعودية كمركز رائد للابتكار الإعلامي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ويقدم نموذجاً يحتذى به في كيفية التعامل مع تحديات وفرص العصر الرقمي. دولياً، يسهم المنتدى في الحوار العالمي حول مستقبل الإعلام، ويشارك في صياغة أفضل الممارسات والمعايير الأخلاقية لاستخدام التقنيات الحديثة، ويجذب الخبرات والاستثمارات الدولية، مما يعكس التزام المملكة بتعزيز حرية الإعلام المسؤولة والابتكار في هذا القطاع الحيوي.

spot_imgspot_img