في سابقة قضائية بارزة تعكس دقة وصرامة النظام القضائي السعودي في حماية الحقوق، حسمت محكمة استئناف الأحوال الشخصية في جدة نزاعاً معقداً حول استحقاق زوجة مصرية لجزء من تركة مليونير سعودي. أصدرت المحكمة حكماً نهائياً يقضي بإضافة الزوجة المصرية إلى صك حصر الإرث، مقدرة نصيبها بأكثر من 150 مليون ريال سعودي، أي ما يعادل ملياراً و800 مليون جنيه مصري. هذا الحكم لا يمثل انتصاراً للعدالة فحسب، بل يسلط الضوء على تعقيدات قضايا الميراث العابرة للحدود وأهمية الإثباتات القانونية في ظل الشريعة الإسلامية التي تحكم هذه المسائل في المملكة.
تُعد قضايا الميراث من أكثر القضايا حساسية وتشابكاً، خاصة عندما تتداخل فيها جنسيات مختلفة وتتضارب الأدلة. في المملكة العربية السعودية، تستند أحكام الميراث بشكل أساسي إلى الشريعة الإسلامية، التي تضع قواعد واضحة لتوزيع التركات، مع التأكيد على حقوق جميع الورثة الشرعيين. هذه القضية بالذات، التي استمرت فصولها لسنوات، بدأت بعد وفاة رجل أعمال سعودي ثري كان قد تزوج من امرأة مصرية وعاش معها لمدة ربع قرن. بعد وفاته، طالبت الزوجة بإضافة نصيبها الشرعي في صك حصر الإرث، وهو ما قوبل بالرفض من قبل ورثة المتوفى في السعودية.
تمسك ورثة المليونير بوثيقة طلاق صادرة من خارج السعودية، زاعمين أن الانفصال بين والدهم وزوجته المصرية قد وقع في منتصف التسعينيات، وأن أي علاقة لاحقة لم تكن سوى استمرار غير رسمي. في المقابل، قدمت الزوجة المصرية وابنتها ومحاميهما دفوعاً قوية، مؤكدين أن وثيقة الطلاق المقدمة لا تكفي لإثبات انتهاء العلاقة الزوجية فعلياً. استندوا في ذلك إلى وقائع لاحقة تثبت استمرار الإقامة المشتركة للراحل مع زوجته، ووجود معاملات رسمية مشتركة، وشهادات شهود تؤكد استمرار العلاقة الزوجية إلى وقت الوفاة، بالإضافة إلى إقامة نظامية كانت تجدد سنوياً باسم الزوجة.
علاقة ربع قرن وتحديات الإثبات
رجل الأعمال الراحل، الذي ينتمي إلى أسرة تجارية مرموقة في جدة، توفي قبل سنوات تاركاً وراءه تركة ضخمة، وكان من آخر أعماله الخيرية بناء مسجد كبير في حي راقٍ شمالي جدة. برز الخلاف الجوهري حول ما إذا كانت رابطة الزواج لا تزال قائمة حتى لحظة الوفاة، أم أنها انتهت بطلاق مزعوم في تسعينيات القرن الماضي. استمعت محكمة استئناف الأحوال الشخصية بعناية فائقة إلى طرفي النزاع، ودرست جميع الشهادات والمستندات المقدمة، مرتكزة إلى قواعد الإثبات المعمول بها في قضايا الأحوال الشخصية. كما اطلعت المحكمة على السجلات الرسمية التي استمر فيها توصيف الزوجة بصفتها زوجة شرعية، وهو ما دعم موقفها بشكل كبير.
تأكيد مبدأ “اليقين لا يزول بالشك”
خلصت المحكمة في قرارها النهائي إلى أن مبدأ “اليقين لا يزول بالشك” ينطبق على هذه الحالة، وأن رابط العلاقة الزوجية ظل قائماً وقت وفاة الزوج. بناءً عليه، أمرت المحكمة بإدراج الزوجة المصرية في صك الورثة لتحصل على نصيبها الشرعي من الإرث. وقد تضمن الحكم النهائي عبارة قوية تؤكد على ضرورة التنفيذ: “يطلب من جميع الوزارات والأجهزة الحكومية الأخرى العمل على تنفيذ الحكم بجميع الوسائل النظامية المتبعة ولو أدى ذلك إلى استخدام القوة الجبرية”. هذه العبارة تؤكد على حزم القضاء السعودي في تطبيق أحكامه وضمان حقوق الأفراد.
تأثيرات الحكم وأهميته القانونية
هذا الحكم له أبعاد متعددة وتأثيرات مهمة. على الصعيد المحلي، يعزز الثقة في النظام القضائي السعودي وقدرته على التعامل مع القضايا المعقدة بإنصاف وشفافية، ويؤكد على حماية حقوق المرأة في الميراث وفقاً للشريعة الإسلامية. إقليمياً ودولياً، يشكل هذا القرار سابقة مهمة لقضايا الميراث العابرة للحدود، خاصة في منطقة تشهد تزايداً في الزيجات المختلطة. إنه يرسل رسالة واضحة حول أهمية توثيق العلاقات الزوجية والطلاق بشكل صحيح، وضرورة الاحتفاظ بالأدلة التي تثبت استمرارية العلاقة أو انتهائها.
وقد علّق المحامي الدكتور عبدالرحمن الخولي على الواقعة، مشيراً إلى أن المادة 69 من نظام الإثبات تسمح بالاستفاضة في شهادة الشهود في أمور مثل النكاح والوفاة والنسب، كونها من الأمور التي قد يصعب إثباتها بالطرق المباشرة في كثير من الحالات. وأكد أن نظام الأحوال الشخصية يضبط الحقوق ويحدد أنصبة الورثة بدقة، وللزوجة نصيب شرعي محدد، وهو الربع حال عدم وجود فرع وارث، والثمن حال وجوده، ويقسم بالتساوي بين الزوجات المتعددات. وأضاف الخولي أنه لا يجوز حرمان الزوجة من الإرث إلا في حالات محدودة كقتل الزوج عمداً أو اختلاف الدين، مؤكداً أن إثبات الوقائع الأسرية لا يقوم على ورقة منفردة بل على تماسك الأدلة وتسلسلها.
من جانبها، أوضحت المحامية نسرين علي الغامدي أن حق الزوجات في الميراث ورد في نظام الأحوال الشخصية، ويعتمد على وجود فرع وارث للمتوفى. فإذا كان للمتوفى أولاد، ترث الزوجة الثمن، وإذا لم يكن له أولاد، ترث الربع من التركة، وتتقاسم الزوجات المتعددات هذا النصيب بالتساوي، مع الأخذ في الاعتبار أحكام استحقاق الميراث الأخرى مثل عدم وجود مانع كاختلاف الدين أو القتل العمد.
كما أكدت المحامية تغريد حدادي أن نظام الأحوال الشخصية السعودي وضع إطاراً نظامياً واضحاً ومتكاملاً لتنظيم مسائل التركة والإرث، بما يضمن استقرار الحقوق ومنع النزاع. وأوضحت أن استحقاق الإرث مرتبط بشروط محددة نصّت عليها المادة 199، تتمثل في تحقق وفاة المورث، وحياة الوارث بعده، ووجود سبب الإرث وانتفاء موانعه. وبيّنت أن النظام عرّف التركة في المادة 197 بأنها جميع ما يخلّفه الإنسان بعد وفاته من أموال وحقوق مالية، ورتّب الحقوق المتعلقة بها ترتيباً إلزامياً في المادة 198، بدءاً بتجهيز الميت، ثم سداد الديون، فتنفيذ الوصية، وأخيراً قسمة التركة على الورثة. وأشارت حدادي إلى أن المادة 201 عالجت أثر الفرقة بين الزوجين على الإرث، وقررت كأصل عام أن الفرقة في الحياة تمنع التوارث، مع استثناءات محددة، مؤكدة أن العبرة النظامية في استحقاق الإرث تقوم على ثبوت العلاقة الزوجية وانتفاء الموانع وفق ما يقرره القضاء المختص.


