spot_img

ذات صلة

التعدين السعودي: إقبال عالمي ومؤتمر دولي رائد

يشهد قطاع التعدين في المملكة العربية السعودية تحولاً استراتيجياً غير مسبوق، مدفوعاً برؤية 2030 الطموحة التي تهدف إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط. في هذا السياق، كشف المهندس خالد المديفر، نائب وزير الصناعة والثروة المعدنية لشؤون التعدين، عن إقبال عالمي هائل على الفرص الاستثمارية في القطاع، مؤكداً أن مؤتمر التعدين الدولي الذي تستضيفه الرياض قد رسخ مكانته كمنصة عالمية محورية للحوار والتعاون في مجال المعادن.

لطالما ارتبط الاقتصاد السعودي بالنفط، لكن المملكة تدرك أهمية استغلال ثرواتها الطبيعية الأخرى لتحقيق استدامة اقتصادية. تأتي رؤية السعودية 2030 لترسم خارطة طريق واضحة نحو مستقبل اقتصادي متنوع، حيث يبرز قطاع التعدين كركيزة ثالثة للاقتصاد الوطني، إلى جانب النفط والبتروكيماويات. تمتلك المملكة حزاماً عربياً درعياً غنياً بالمعادن، يُقدر بقيمة تريليونات الدولارات، ويضم احتياطيات ضخمة من الذهب والنحاس والفوسفات والبوكسيت، بالإضافة إلى المعادن الأرضية النادرة التي تُعد حيوية للصناعات الحديثة والتحول نحو الطاقة النظيفة. هذا التحول الاستراتيجي لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة لدراسات معمقة وإدراك لأهمية المعادن في الاقتصاد العالمي المتنامي، خاصة مع تزايد الطلب على المواد الخام اللازمة لتقنيات الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية والإلكترونيات المتقدمة.

وفي تأكيد على هذا الزخم، أشار المهندس المديفر في مقابلة مع «العربية Business» إلى أن قطاع التعدين السعودي يستقطب اهتماماً كبيراً من الشركات العالمية، مستشهداً بتلقي أكثر من 26 ألف طلب للمشاركة في النسخة الخامسة من مؤتمر التعدين الدولي، وهو ما فاق القدرة الاستيعابية للمؤتمر. هذا الإقبال يعكس الثقة المتزايدة في البيئة الاستثمارية السعودية والإمكانات الهائلة التي يقدمها القطاع. المؤتمر، الذي أصبح أكبر اجتماع وزاري حكومي بمشاركة المنظمات الدولية في قطاع التعدين، يبدأ باجتماع وزاري رفيع المستوى يضم كبار المسؤولين والوزراء من 103 دول، بالإضافة إلى 70 قائداً من المنظمات الدولية وغير الحكومية واتحادات التجارة، مما يؤكد على مكانته كمنتدى عالمي رائد.

تتركز أجندة الاجتماع الوزاري على مناقشة آليات حيوية لزيادة إمدادات المعادن عالمياً، مع التركيز على المبادرات المسؤولة التي تراعي المجتمعات المحلية والبيئة، وتلتزم بضوابط الحوكمة والشفافية. كما يتناول المؤتمر سبل بناء القدرات في الدول المنتجة، سواء من خلال تطوير السياسات أو تنمية الموارد البشرية وتوطين التقنية ودعمها لزيادة الإنتاجية. هذه المحاور تعكس التحديات العالمية الراهنة في سلاسل إمداد المعادن، وتؤكد على دور المملكة في قيادة الجهود نحو قطاع تعدين أكثر استدامة ومرونة. مشاركة أكثر من 400 رئيس شركة عالمية عاملة في القطاع تضفي بعداً عملياً للمناقشات، حيث يتم تبادل الخبرات واستكشاف الشراكات التي يمكن أن تدفع عجلة الابتكار والنمو.

أكد المديفر على الأهمية الكبرى لقطاع التعدين ضمن رؤية السعودية 2030، مشيراً إلى أنه أحد أهم القطاعات المساهمة في تعزيز الاقتصاد الوطني وزيادة الإيرادات. وأوضح أن الرؤية حولت التعدين من صناعة هامشية إلى صناعة أساسية، مما وضع المملكة في طليعة الدول المتقدمة في هذا المجال بنحو 5 سنوات. وقد تجلى هذا التحول في ارتفاع معدلات الاستكشاف خمسة أضعاف منذ إطلاق الرؤية، وتضاعف حجم الإنفاق على الاستكشاف، وزيادة عدد الشركات العاملة في القطاع من 6 إلى أكثر من 240 شركة خاصة تعمل وتستثمر وتستكشف وتصنع وتنتج المعادن في المملكة. كما بدأت العديد من المشاريع في قطاعات الذهب والنحاس والفوسفات، مما يعكس التزاماً راسخاً بتطوير البنية التحتية التعدينية.

لن يقتصر المؤتمر على مناقشة القطاعات الأساسية كالفوسفات والنحاس والألومنيوم، بل سيتطرق أيضاً إلى إنتاج المعادن الأرضية النادرة. هذه المعادن، رغم أن مبيعاتها قد لا تكون ضخمة، إلا أنها تشكل أساساً اقتصادياً حيوياً لصناعات التقنية والدفاع والصناعات المتقدمة الأخرى، مما يؤكد على النظرة المستقبلية للمملكة في تلبية احتياجات الأسواق العالمية المتطورة. كما شدد المديفر على أهمية التمويل كعامل أساسي لتوسيع القطاع، مشيراً إلى التعاون مع بنوك استثمارية دولية لإنشاء بوابة تمويل تسهل على الشركات عرض استثماراتها والالتقاء بالمستثمرين الماليين. هذا الدعم المالي، بالإضافة إلى التركيز على مشاريع ريادة الأعمال في قطاع التعدين ودعم 374 فريقاً من 70 دولة يتنافسون على جوائز كبرى، يؤكد على التزام المملكة بتبني التقنيات الحديثة ودعم الابتكار.

وفي سياق متصل، سلط المديفر الضوء على الإعلان الأخير لشركة التعدين العربية السعودية «معادن» عن إضافة 7.8 مليون أونصة من الذهب، وهو ما يمثل نحو 10% من الموارد المكتشفة في المملكة، ويشير بوضوح إلى امتلاك المملكة لموارد ضخمة لم يتم اكتشافها بعد. الأهم من ذلك، أعلنت «معادن» عن وجود النحاس والنيكل وعناصر مجموعة البلاتين خلال عمليات الاستكشاف، وهي معادن استراتيجية بالغة الأهمية لقطاعات مراكز البيانات والكهرباء والسيارات الكهربائية. هذه الاكتشافات تعزز مكانة المملكة كلاعب رئيسي محتمل في توفير هذه المعادن الحيوية للعالم، وتؤكد على الفرص الاستثمارية الكبيرة والحوافز الجذابة التي تقدمها المملكة لجذب الشركات العالمية للاستثمار في هذا القطاع الواعد.

إن الإقبال الكبير من الشركات العالمية على قطاع التعدين السعودي، والتطورات المتسارعة في الاستكشاف والإنتاج، والمؤتمرات الدولية رفيعة المستوى، كلها مؤشرات قوية على أن المملكة العربية السعودية تسير بخطى ثابتة نحو تحقيق أهداف رؤيتها 2030 في بناء اقتصاد متنوع ومستدام. ومع استمرار الجهود في تطوير البنية التحتية، وتوفير البيئة الاستثمارية الجاذبة، ودعم الابتكار، من المتوقع أن يصبح قطاع التعدين السعودي محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي ومورداً حيوياً للمعادن الاستراتيجية على الصعيدين الإقليمي والعالمي.

spot_imgspot_img