في خطوة تعكس حرص المملكة العربية السعودية على صون قدسية العبادة وتعزيز قيم الإخلاص، أعلنت وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد رسمياً عن منع تصوير الأئمة والمصلين وكل ما قد يجر إلى الرياء أو طلب الثناء أثناء أداء الصلوات داخل المساجد. يأتي هذا القرار، الذي كشف عنه معالي الوزير عبد اللطيف آل الشيخ، ضمن حزمة من التعليمات الرسمية الهادفة إلى الحفاظ على جوهر العبادة وتجريدها من أي شوائب قد تخل بالخشوع والتركيز.
تُعد هذه التعليمات امتداداً لمبادئ إسلامية راسخة تؤكد على أهمية الإخلاص لله وحده في جميع الأعمال، وخاصة العبادات. فالرياء، وهو إظهار العمل الصالح بقصد رؤية الناس ومدحهم، يُعتبر من أخطر آفات القلوب التي تُبطل الأجر وتُفسد النية. لطالما حذرت النصوص الشرعية من الوقوع في الرياء، داعيةً المسلمين إلى إخفاء أعمالهم الصالحة قدر الإمكان لضمان نقاء القصد. المساجد، بكونها بيوت الله ومواطن السجود والتضرع، هي الأماكن الأولى التي يجب أن تتجلى فيها هذه القيمة السامية، بعيداً عن أي مظاهر قد تحول العبادة إلى استعراض أو بحث عن الشهرة.
في سياق التطورات الحديثة وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت ظاهرة التصوير والمشاركة الفورية للمحتوى تحدياً جديداً يواجه قدسية الأماكن الدينية. فما كان يُعد في السابق سلوكاً فردياً محدوداً، أصبح اليوم قابلاً للانتشار الواسع، مما قد يدفع البعض، بقصد أو بغير قصد، إلى إظهار عباداتهم أو تصوير الآخرين دون رضاهم، وهو ما يتنافى مع روح الخشوع والخصوصية التي تتطلبها الصلاة. قرار الوزارة يأتي كاستجابة حكيمة لهذه التحديات المعاصرة، مؤكداً على أن المساجد ليست منصات إعلامية بل هي محاريب للعبادة الخالصة.
ولم يقتصر دور الوزارة على هذا المنع فحسب، بل كشف الوزير آل الشيخ عن إطلاق برامج موسمية شاملة لشهر رمضان المبارك، تضمنت إصدار تعليمات عدة لتهيئة المساجد، وتوفير أفضل الخدمات للمصلين، وتنظيم إفطار الصائمين بأسلوب يضمن الراحة والنظام. كما تم تكليف فرق رقابية ميدانية متخصصة لمتابعة مدى الالتزام بهذه الأنظمة والتعليمات في جميع مناطق المملكة، لضمان تطبيقها الفعال وتحقيق أهدافها المرجوة.
وكانت الوزارة قد أصدرت في وقت سابق مجموعة من التوجيهات الهامة لمنسوبي المساجد من الأئمة والمؤذنين، شددت فيها على ضرورة الانتظام التام في العمل وعدم التغيب إلا للضرورة القصوى، مع التأكيد على تكليف بديل مؤهل بعد موافقة الفرع المختص. كما نصت التعليمات على أهمية الالتزام بالهدي النبوي في دعاء القنوت، بأن يكون الدعاء بخشوع وتذلل، دون إطالة أو تكلّف في السجع، مع التركيز على الأدعية الصحيحة المأثورة، مما يعكس حرص الوزارة على الجودة الروحية للعبادات.
إن أهمية هذا القرار تتجاوز الحدود المحلية، فالمملكة العربية السعودية، بكونها حاضنة الحرمين الشريفين ومهبط الوحي، تحمل مسؤولية كبيرة في صياغة الخطاب الديني وتوجيه الممارسات العبادية. هذا التوجيه يعزز مكانة المملكة كمرجعية إسلامية تسعى للحفاظ على نقاء الدين وسلامة الممارسات. محلياً، يسهم القرار في خلق بيئة عبادية أكثر هدوءاً وتركيزاً، بعيداً عن أي مشتتات بصرية أو رغبة في الظهور، مما يعين المصلين على تحقيق أقصى درجات الخشوع والاتصال الروحي. إقليمياً ودولياً، يمكن أن يكون هذا القرار بمثابة نموذج يُحتذى به للدول الإسلامية الأخرى التي تواجه تحديات مماثلة في ظل العصر الرقمي، مؤكداً على أن التقدم التكنولوجي يجب ألا يطغى على القيم الروحية الأصيلة.
في الختام، تؤكد وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد من خلال هذه الإجراءات على التزامها الراسخ بخدمة بيوت الله والمصلين، وتوفير بيئة عبادية مثالية تتوافق مع تعاليم الإسلام السمحة، وتحمي العبادة من كل ما قد يشوبها من رياء أو طلب للثناء، لتبقى المساجد منارات للإخلاص والتقوى.


