تشهد الساحة الفنية انطلاقة قوية لواحد من أجرأ الأعمال الدرامية والتشويقية مؤخراً، حيث بدأ عرض فيلم مسألة حياة أو موت في الصالات السينمائية، ليعيد تعريف سينما الإثارة المحلية. يبتعد هذا العمل تماماً عن الأنماط والقصص الاجتماعية التقليدية التي اعتاد عليها الجمهور، مقتحماً بجرأة مناطق وعرة وظلت لسنوات طويلة بمثابة “تابوهات” غير مطروقة على الشاشة الفضية، ليقدم وجبة بصرية ونفسية دسمة تدور حول لعنات الغيب، وتقلبات الحظ، وكابوس الموت المحتوم وسط أجواء غرائبية تحبس الأنفاس.
قصة فيلم مسألة حياة أو موت وصراع العقل والأسطورة
الفيلم الذي تولى إخراجه المخرج المبدع أنس باطرفي، يطرح رهانًا فنيًا جريئًا يجعل المشاهد يتقبل “المستحيل” كجزء لا يتجزأ من تفاصيل الحياة اليومية. في قلب هذا العالم المظلم والمليء بالغموض، تقف الشخصية الرئيسية “حياة” (والتي تجسدها باقتدار الفنانة سارة طيبة)، وهي شابة تعيش تحت وطأة فكرة مرعبة تسيطر على وجدانها؛ إذ تؤمن إيماناً راسخاً بوجود لعنة عائلية قديمة ستنهي حياتها فور بلوغها سن الثلاثين. هذا الكابوس المستمر يدفعها للعيش بتهور شديد وسخرية لا تبالي بالعواقب، بل يصل بها التحدي إلى محاولة استباق القدر واختيار لحظة نهايتها بنفسها في ليلة رأس السنة، مما يضفي على العمل مسحة صاعقة ومميزة من الكوميديا السوداء.
تتمدد هذه الأجواء الغرائبية لتنعكس على الديكورات وتصميم البيئة المحيطة بالبطلة؛ فمنزل “حياة” مكتظ بمئات الساعات التي تدق عقاربها في وقت واحد، كأنها آلة عملاقة مرعبة لعدّ ثواني العمر المتبقية. وتكتمل هذه الأجواء السوداوية بظهور قطة سوداء غامضة تتقاطع مع الموروث الشعبي حول الجن واللعنات، إلى جانب حضور “العمتين” غريبتي الأطوار (أماني الجميل وغادة عبود) اللتين تعيشان على قراءة الطالع والتنجيم، مما يلغي تماماً الخط الفاصل بين الواقع والأسطورة. في المقابل، يبرز الفنان يعقوب الفرحان في دور الطبيب “يوسف”، وهو رجل يمثل صوت العلم والمنطق الحاسم، لكن الإثارة تصل لشرارتها القصوى عندما يجد نفسه متورطاً في هذا العالم الذي لا يخضع لأي قانون علمي، ليقترب هو الآخر من مواجهة الموت وجهاً لوجه، متخلياً عن صلابته تدريجياً ليكشف عن هشاشة إنسانية عميقة نالت إشادات واسعة من النقاد.
السينما السعودية من التأسيس إلى العالمية
يأتي هذا العمل المتميز في سياق الطفرة الكبرى التي تشهدها صناعة السينما في المملكة العربية السعودية منذ إعادة افتتاح دور العرض في عام 2018 كجزء من رؤية المملكة 2030. لم تعد السينما السعودية مجرد محاولات خجولة لإنتاج أفلام قصيرة، بل تحولت إلى صناعة متكاملة تدعمها الهيئات الحكومية والقطاع الخاص، مما أتاح للمخرجين والكتاب الشباب الفرصة لتقديم رؤى فنية مبتكرة تتجاوز الحدود المحلية وتنافس في المهرجانات الدولية. إن الانتقال من الأفلام الوثائقية والاجتماعية البسيطة إلى سينما الرعب النفسي والغموض يمثل نضجاً فنياً كبيراً للكوادر الوطنية التي أثبتت قدرتها على تقديم محتوى احترافي يضاهي الإنتاجات العالمية.
الأثر الفني والثقافي لسينما الإثارة والغموض
يتوقع النقاد أن يترك هذا الفيلم أثراً عميقاً على المستويين المحلي والإقليمي؛ فهو يفتح الباب أمام صناع الأفلام لاستكشاف تصنيفات سينمائية جديدة مثل الرعب النفسي والكوميديا السوداء، وهي مجالات كانت نادرة في السينما العربية عموماً والخليجية خصوصاً. على الصعيد الدولي، يساهم الفيلم في تغيير الصورة النمطية عن الإنتاج الفني في المنطقة، مبرزاً قدرة المبدع السعودي على معالجة قضايا وجودية ونفسية معقدة بأسلوب بصري مبهر وأداء تمثيلي رفيع المستوى. هذا التحول لا يثري الساحة الثقافية فحسب، بل يعزز أيضاً من مكانة المملكة كمركز إقليمي رائد لصناعة الترفيه والفنون السابعة.


