تُرسّخ المملكة العربية السعودية مكانتها كقوة اقتصادية صاعدة، مدفوعةً بالرؤية الطموحة 2030، التي تضع الاستراتيجية الوطنية للتخصيص (NPS) في صميم تحولها الاقتصادي. هذه الاستراتيجية لا تمثل مجرد عملية بيع لأصول حكومية، بل هي نقلة نوعية نحو نموذج إدارة اقتصادي يعتمد على تعظيم العائد الكلي عبر هيكلة الشراكات وتوجيه رأس المال الخاص ضمن إطار تنظيمي واضح ومحكم. الأرقام المعلنة تعكس بناء محفظة استثمارية منضبطة، تُدار بمنطق الأسواق العالمية، حيث يُقاس النجاح بحجم الأثر الاقتصادي والاجتماعي، واستدامة التدفقات المالية، وكفاءة توزيع المخاطر.
لطالما اعتمد الاقتصاد السعودي تاريخياً بشكل كبير على الإيرادات النفطية والإنفاق الحكومي المباشر كمحرك رئيسي للنمو. ومع التحديات الاقتصادية العالمية المتغيرة والرغبة الملحة في بناء اقتصاد متنوع ومستدام لا يعتمد على مصدر واحد للدخل، جاءت رؤية 2030 لتغير هذا المسار بشكل جذري. يُعد التخصيص أحد الركائز الأساسية لهذه الرؤية، ويهدف إلى تخفيف العبء عن الميزانية العامة للدولة، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين والمقيمين، وتحفيز الابتكار والنمو في القطاع الخاص، مما يفتح آفاقاً جديدة للاستثمار والتوظيف.
تستهدف الاستراتيجية الوطنية للتخصيص 18 قطاعاً حيوياً ضمن نطاق واحد، مع مستهدف استثمارات رأسمالية ضخمة من القطاع الخاص بقيمة 240 مليار ريال سعودي حتى عام 2030. هذا الحجم الكبير من الاستثمارات يعكس إعادة تموضع للدولة بصفتها جهة منظمة للسوق، تضع المعايير والتشريعات، وتدير المخاطر النظامية، فيما يتولى رأس المال الخاص دور التشغيل والتطوير والابتكار. تشمل هذه القطاعات مجالات حيوية مثل الصحة، التعليم، النقل، المياه، الطاقة المتجددة، والخدمات اللوجستية، مما يضمن تنوعاً اقتصادياً واسعاً ويقلل من الاعتماد على قطاع واحد.
تُقدر قيمة الشراكات المعلنة بـ 43 مليار ريال، موزعة على 221 عقداً، مما يشير إلى متوسط يقارب 195 مليون ريال للعقد الواحد. هذا المتوسط يعكس تفضيلاً لعقود متوسطة إلى كبيرة الحجم، قادرة على توليد كفاءة تشغيلية تراكمية، مع توزيع المخاطر عبر عدد واسع من الاتفاقيات بدل تركّزها في صفقات محدودة. هذا النهج يضمن مرونة أكبر للمحفظة الاستثمارية ويجذب شريحة أوسع من المستثمرين المحليين والدوليين، مما يعزز الثقة في البيئة الاستثمارية للمملكة.
من زاوية الانتقائية، تُظهر البيانات اختيار 147 فرصة استثمارية ذات أولوية من بين أكثر من 500 مشروع مطروح، بنسبة قبول تقارب 29%. هذه النسبة تتسق تماماً مع نماذج المراكز المالية الدولية التي تعتمد الفرز الرأسمالي الصارم، حيث يُمنح رأس المال للمشاريع الأعلى قابلية للعائد والاستدامة، مع استبعاد المشاريع منخفضة الكفاءة أو مرتفعة المخاطر. هذا التركيز على الجودة يضمن أن كل ريال يتم استثماره يساهم بفعالية في تحقيق أهداف الاستراتيجية.
مالياً، تستهدف الاستراتيجية تحقيق 27 مليار ريال صافي عوائد حكومية. هذا المؤشر يضع التخصيص ضمن نموذج تحقيق قيمة مالية مباشرة للدولة، مع المحافظة على دورها الأساسي في التنظيم والرقابة وضمان جودة الخدمة للمواطنين. صافي العائد هنا يعمل كمقياس أداء نهائي، يربط بين السياسات العامة والانضباط المالي، ويؤكد أن التخصيص ليس مجرد تفريغ للأصول، بل هو استثمار ذكي يولد قيمة مضافة.
يُتوقع أن يكون لهذه الاستراتيجية تأثيرات إيجابية واسعة النطاق. محلياً، ستسهم في خلق مئات الآلاف من فرص العمل الجديدة للمواطنين، وتحسين جودة الخدمات الأساسية، وتعزيز التنافسية الاقتصادية، وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتنمية المحتوى المحلي. إقليمياً ودولياً، ستعزز مكانة المملكة كقوة اقتصادية رائدة ومركز جاذب للاستثمار، ومرجع لبرامج التحول الاقتصادي الناجحة، مما يسهم في استقرار الأسواق العالمية وتنوع سلاسل الإمداد.
قراءة الخبير
يرى الخبير الاقتصادي عيد العيد أن هذه الأرقام «تعكس انتقال الدولة إلى إدارة دورة استثمارية مكتملة، تبدأ بالانتقائية الصارمة وتنتهي بصافي عائد قابل للقياس». ويشير إلى أن «توزيع 43 مليار ريال على 221 عقداً يحد من المخاطر النظامية، ويعزّز مرونة المحفظة الاستثمارية وقدرتها على التكيف مع المتغيرات»، موضحاً أن «تركيز الإستراتيجية على عدد محدود من الفرص عالية الجودة ينسجم مع ممارسات المراكز المالية العالمية التي تفضّل العمق على الاتساع، مما يضمن تحقيق أقصى قيمة من كل استثمار».
في الختام، تُعد الاستراتيجية الوطنية للتخصيص ركيزة أساسية في تحقيق أهداف رؤية السعودية 2030، وتمثل خطوة جريئة نحو بناء اقتصاد متنوع ومستدام، يعتمد على الشراكة الفاعلة بين القطاعين العام والخاص، ويضع المملكة على طريق النمو والازدهار المستقبلي.


