في خطوة محورية نحو تعزيز مسيرة التنمية الاقتصادية المستدامة وتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030 الطموحة، أعلن معالي وزير المالية ورئيس مجلس إدارة المركز الوطني للتخصيص، الأستاذ محمد بن عبدالله الجدعان، البدء بتنفيذ “الإستراتيجية الوطنية للتخصيص”. يأتي هذا الإعلان بعد موافقة مجلس الوزراء عليها بتاريخ 4 جمادى الآخرة 1447هـ، الموافق 25 نوفمبر 2025م، ليمثل نقطة تحول استراتيجية في مسار الإصلاح الاقتصادي للمملكة.
برنامج التخصيص: مرحلة التأسيس والإنجازات
أشار معالي الوزير الجدعان إلى أن هذه الإستراتيجية الجديدة تأتي تتويجاً لنجاحات “برنامج التخصيص” الذي أُطلق عام 2018. وقد استكمل البرنامج أعماله ومبادراته بنجاح وفق الخطة المعتمدة، محققاً إنجازات بارزة أرست دعائم قوية للمرحلة القادمة. من أبرز هذه المنجزات تأسيس المركز الوطني للتخصيص، الذي لعب دوراً محورياً في تحديد وتطوير أكثر من 200 مشروع معتمد، باستثمارات تُقدر قيمتها الإجمالية بنحو 800 مليار ريال سعودي. كما شهد البرنامج توقيع ما يقارب 90 عقداً، تنوعت بين عقود نقل ملكية وشراكة بين القطاعين العام والخاص في قطاعات حيوية متعددة. هذه الجهود أسهمت بشكل فعال في تعزيز دور القطاع الخاص، ورفع كفاءة تشغيل الأصول الحكومية، وتطوير البيئة التشريعية والتنظيمية الداعمة للاستثمار، مما عزز التنوع الاقتصادي ورفع القدرة التنافسية للمملكة على الصعيدين الإقليمي والدولي.
الإستراتيجية الوطنية للتخصيص: رؤية مستقبلية لخدمات عالمية
تهدف الإستراتيجية الوطنية للتخصيص إلى الارتقاء بجودة وكفاءة البنية التحتية والنهوض بالخدمات العامة المقدمة للمواطنين والمقيمين والزوار في المملكة. كما تسعى إلى تعزيز دور القطاع الخاص كشريك أساسي في التنمية الاقتصادية المستدامة، وتمكين الحكومة من التركيز على دورها التشريعي والرقابي والتنظيمي، مما يعزز استدامتها المالية. وتتماشى هذه الأهداف بشكل مباشر مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي تضع تحويل المملكة إلى قوة استثمارية رائدة ومركز لوجستي عالمي في صميم أولوياتها.
وفي هذا السياق، أكد معالي الجدعان أن المملكة تسعى لتأسيس بنية تحتية مستقبلية تتميز بالجودة والكفاءة العالية، قادرة على تقديم خدمات عامة من الأفضل عالمياً. هذا الطموح لا يقتصر على خدمة سكان المملكة فحسب، بل يهدف أيضاً إلى تعزيز مكانة المملكة كمرجع عالمي في مجال الشراكة بين القطاعين العام والخاص، مما يعكس التزامها بالمعايير الدولية وأفضل الممارسات.
أهداف طموحة ومستهدفات واضحة حتى 2030
تضع الإستراتيجية الوطنية للتخصيص أهدافاً كمية واضحة ومحددة حتى عام 2030، تشمل:
- رفع مستوى الرضا تجاه الخدمات المقدمة للمواطنين والمقيمين والزائرين في 18 قطاعاً مستهدفاً.
- استحداث عشرات الآلاف من الوظائف النوعية، مما يسهم في تمكين الشباب السعودي ودعم الاقتصاد المعرفي.
- توقيع أكثر من 220 عقداً ناتجة عن الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
- زيادة قيمة الاستثمارات الرأسمالية من القطاع الخاص لتتجاوز 240 مليار ريال سعودي.
لتحقيق هذه الأهداف، تم وضع خمسة برامج رئيسة لتمكين منظومة التخصيص والارتقاء بها، بالإضافة إلى 42 مبادرة تنفيذية. كما تتضمن الإستراتيجية برنامجاً تنفيذياً متخصصاً في تحديد وترتيب فرص التخصيص ذات الأولوية، حيث جرى تحديد أكثر من 145 فرصة استثمارية جاذبة للقطاع الخاص، مما يفتح آفاقاً واسعة للمستثمرين المحليين والدوليين.
السياق الأوسع: رؤية المملكة 2030 والتحول الاقتصادي
يُعد التخصيص ركيزة أساسية ضمن رؤية المملكة 2030، التي تهدف إلى تنويع مصادر الدخل الوطني بعيداً عن النفط، وتحفيز النمو الاقتصادي من خلال تمكين القطاع الخاص. فمنذ إطلاق الرؤية في عام 2016، تبنت المملكة إصلاحات اقتصادية واسعة النطاق، شملت تطوير البنية التحتية، وتحسين بيئة الأعمال، وجذب الاستثمارات الأجنبية. وتأتي الإستراتيجية الوطنية للتخصيص لتسريع وتيرة هذه الإصلاحات، من خلال نقل ملكية أو إدارة الأصول والخدمات الحكومية إلى القطاع الخاص، مما يعزز الكفاءة والابتكار ويقلل العبء المالي على الدولة.
تاريخياً، شهدت العديد من الدول حول العالم نجاحات كبيرة في برامج التخصيص، حيث أدت إلى تحسين جودة الخدمات، وتخفيض التكاليف، وزيادة التنافسية. وتستلهم المملكة من هذه التجارب العالمية، مع تكييفها لتناسب السياق المحلي واحتياجات السوق السعودي، بهدف بناء اقتصاد أكثر مرونة وتنافسية.
التأثير المتوقع: محلياً، إقليمياً، وعالمياً
إن إطلاق هذه الإستراتيجية يحمل في طياته تأثيراً إيجابياً واسع النطاق:
- محلياً: ستسهم في تحسين جودة الحياة للمواطنين والمقيمين من خلال خدمات عامة أفضل وأكثر كفاءة، وخلق فرص عمل نوعية للشباب السعودي، وتعزيز الابتكار في القطاعات المختلفة. كما ستدعم نمو الشركات المحلية وتجذب استثمارات جديدة، مما ينعكس إيجاباً على الناتج المحلي الإجمالي.
- إقليمياً: تعزز مكانة المملكة كقاطرة للاقتصاد في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وتوفر نموذجاً يحتذى به للدول الأخرى في المنطقة الساعية لتنويع اقتصاداتها وتحفيز القطاع الخاص.
- عالمياً: ترسخ الإستراتيجية موقع المملكة كوجهة استثمارية عالمية جاذبة، وتؤكد التزامها بالانفتاح الاقتصادي والشراكة مع القطاع الخاص الدولي. هذا من شأنه أن يعزز الثقة في الاقتصاد السعودي ويجذب رؤوس الأموال والخبرات العالمية، مما يدعم مكانتها كلاعب رئيسي في الاقتصاد العالمي.
باختصار، يمثل إطلاق الإستراتيجية الوطنية للتخصيص مرحلة جديدة ومهمة في رحلة المملكة نحو تحقيق أهداف رؤية 2030، والانتقال من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التنفيذ الفعلي والدفع بعجلة الإنجاز، مؤكدة التزام المملكة ببناء مستقبل اقتصادي مزدهر ومستدام.


