في خطوة تاريخية تعكس التزام المملكة العربية السعودية بتحقيق مستهدفات رؤية 2030 الطموحة، أعلن معالي وزير المالية عن بدء تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للتخصيص. تمثل هذه الاستراتيجية، التي حظيت بموافقة مجلس الوزراء، نقلة نوعية في مسار التنمية الاقتصادية، حيث تهدف إلى الارتقاء بجودة وكفاءة البنية التحتية، وتحسين مستوى الخدمات العامة المقدمة للمواطنين والمقيمين والزوار على حد سواء. كما تسعى إلى تعزيز مشاركة القطاع الخاص كشريك أساسي في عجلة التنمية الاقتصادية المستدامة، مما يمكن الحكومة من التركيز على أدوارها التشريعية والرقابية والتنظيمية، ويعزز الاستدامة المالية للدولة.
تأتي هذه الاستراتيجية في سياق تحول اقتصادي عالمي، حيث أثبتت برامج التخصيص والشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) فعاليتها في العديد من الدول كأداة لزيادة الكفاءة وتحفيز الابتكار. بالنسبة للمملكة، فإن التخصيص ليس مفهوماً جديداً تماماً، فقد شهدت عقوداً سابقة مبادرات محدودة في قطاعات مثل الاتصالات وبعض الخدمات اللوجستية. إلا أن الاستراتيجية الحالية تتميز بشموليتها ونطاقها غير المسبوق، كونها جزءاً لا يتجزأ من رؤية 2030 التي أطلقها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، والتي تهدف إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط، وخلق اقتصاد مزدهر ومجتمع حيوي.
وقد كشف المركز الوطني للتخصيص عن تفاصيل هذه الاستراتيجية الطموحة، التي تعمل على رفع مستوى الرضا والارتقاء بجودة الخدمات في 18 قطاعاً مستهدفاً. تشمل هذه القطاعات الحيوية مجالات واسعة ومتنوعة مثل الاتصالات وتقنية المعلومات، الزكاة والضريبة والجمارك، الإعلام، الصحة، البلديات والإسكان، الصناعة والثروة المعدنية، البيئة والمياه والزراعة، الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، التعليم، النقل والخدمات اللوجستية، الحج والعمرة، النقل العام، الداخلية، الهيئة الملكية لمحافظة العلا، الدفاع، الهيئة الملكية لمدينة الرياض، الرياضة، وعقارات الدولة. هذا التنوع يعكس عمق التحول الذي تسعى المملكة لتحقيقه في كافة مناحي الحياة.
تستهدف الاستراتيجية الوطنية للتخصيص تنفيذ نماذج تخصيص لمشاريع وخدمات نوعيّة محددة في هذه القطاعات، بما يسهم في رفع كفاءة التنفيذ وتحسين جودة الخدمات والبنية التحتية، وتعزيز الأثر الاقتصادي والتنموي. ففي قطاع التعليم، على سبيل المثال، يتركز التخصيص على تطوير المرافق التعليمية وفق معايير نموذجية، حيث يتولى القطاع الخاص بناءها وتشغيلها، بينما يتركز دور وزارة التعليم على الطلاب والمعلمين والمناهج الدراسية. وقد تم بالفعل بناء وتشغيل 120 مدرسة بمعايير نموذجية في منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة، تخدم أكثر من 100 ألف طالب وطالبة، مما يبرز الأثر المباشر لهذه الشراكات على جودة البيئة التعليمية.
وفي قطاع الدفاع، يركز التخصيص على تطوير البنية التحتية وتهيئة المرافق التي تدعم بيئة العمل، مثل تطوير المباني المكتبية بمدينة الرياض بمساحة إجمالية تبلغ 52,793 متراً مربعاً، بطاقة استيعابية لنحو 4,500 موظف، إضافة إلى 3,200 موقف سيارات، مما يعزز الكفاءة التشغيلية. أما في قطاع الداخلية، فيتمحور التخصيص حول تطوير مدارس تعليم القيادة بالمملكة بهدف رفع كفاءة التدريب واستدامة الأداء، من خلال مراقبة أداء المدارس وإدارة اختبارات السائقين في أكثر من 69 مدرسة بمختلف مناطق المملكة، مما يسهم في تحسين السلامة المرورية. وفي قطاع الرياضة، يشمل التخصيص الأندية الرياضية ومشروع تطوير مدينة الأمير فيصل بن فهد الرياضية، الذي يتضمن بناء ملعب رياضي حديث بطاقة استيعابية نحو 47,000 متفرج لاستضافة فعاليات محلية ودولية كبرى، ومن أبرزها كأس العالم 2034، مما يعزز مكانة المملكة كوجهة رياضية عالمية.
تتضمن الاستراتيجية الوطنية للتخصيص 147 فرصة استثمارية ذات أولوية تم اختيارها بعناية من بين 500 مشروع في القطاعات الحيوية المستهدفة، لتكون محركاً اقتصادياً يضمن بيئة جاذبة للقطاع الخاص المحلي والدولي. وقد حدد المركز الوطني للتخصيص إجمالي استثمارات رأسمالية مستهدفة من القطاع الخاص بحلول عام 2030 بقيمة 240 مليار ريال سعودي، وهو ما يعكس الثقة الكبيرة في قدرة القطاع الخاص على المساهمة في النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل نوعية للمواطنين. كما تستهدف الاستراتيجية تحقيق صافي عوائد حكومية بقيمة 27 مليار ريال سعودي، مما يؤكد على الجدوى الاقتصادية لهذه المبادرات.
إن الأثر المتوقع لهذه الاستراتيجية يتجاوز الحدود المحلية ليشمل الأبعاد الإقليمية والدولية. فعلى الصعيد المحلي، ستسهم في خلق آلاف الوظائف الجديدة، وتحسين جودة الحياة من خلال خدمات أفضل، وتعزيز التنافسية الاقتصادية. إقليمياً، ستعزز مكانة المملكة كقوة اقتصادية رائدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وتجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة. دولياً، ستبرز المملكة كنموذج ناجح في التحول الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل، وستقدم فرصاً استثمارية ضخمة للشركات العالمية، مما يسهم في النمو الاقتصادي العالمي.
وتحمل الرؤية للتخصيص أن تكون المملكة مرجعاً عالمياً في مجال تخصيص البنى التحتية والخدمات العامة، فيما تتضمن الرسالة تعظيم الأثر الاقتصادي والاجتماعي والمالي لمشاريع التخصيص. وقد حدد المركز أهداف الاستراتيجية التي تم تقسيمها إلى أهداف المستوى الأول، وتشمل إتاحة الأصول المملوكة للدولة أمام القطاع الخاص، وتخصيص خدمات حكومية محددة. أما أهداف المستوى الثاني فتتمثل في زيادة جودة وكفاءة البنية التحتية والخدمات العامة لسكان المملكة، وتقليص الدور التشغيلي للحكومة في تقديم الخدمات العامة، وإنشاء بيئة ممكنة للتخصيص، وتعزيز الاستدامة المالية، والمساهمة في التنمية الاقتصادية.
ولضمان تحقيق هذه الأهداف الطموحة، شدد المركز على وجود خمسة برامج استراتيجية لتعظيم أثر التخصيص والشراكة بين القطاعين العام والخاص. هذه البرامج مصممة لتحقيق نتائج واقعية، أربع منها ممكّنة تدعم منظومة التخصيص، وبرنامج تنفيذي يركّز على مشاريع التخصيص والشراكة ذات الأولوية. يشمل البرنامج الأول ضمان التخطيط القائم على تحقيق الأثر والإدارة المستمرة، بينما ينص البرنامج الثاني على تعزيز بيئة تنظيمية وحوكمة فعالة. ويتضمن البرنامج الثالث تطوير القدرات البشرية وإدارة المعرفة، والرابع تحسين التسويق والجاذبية للتخصيص. أما البرنامج الخامس والأخير، فيركز على تنفيذ مشاريع التخصيص ذات الأولوية والأثر الأكبر.
وبحلول عام 2030، تستهدف الاستراتيجية الوطنية للتخصيص تحقيق 240 مليار ريال إجمالي قيمة الاستثمارات الرأسمالية من القطاع الخاص، و43 مليار ريال إجمالي القيمة مقابل المال من عمليات الشراكة، و221 عقداً ناتجاً عن الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والتي ستمهد لاستحداث آلاف الوظائف الجديدة. هذه الأرقام تعكس حجم الطموح والفرص الكامنة في هذه الاستراتيجية التي تعد ركيزة أساسية لتحقيق مستقبل مزدهر ومستدام للمملكة العربية السعودية.


