
في ظل تطور متسارع وتنسيق متنامٍ على مختلف الأصعدة، تبرز العلاقات السعودية–العُمانية كنموذج رائد للشراكة الخليجية القائمة على الثقة المتبادلة والتكامل والعمل المشترك. هذه العلاقة لا تخدم المصالح الثنائية فحسب، بل تسهم بفاعلية في دعم الاستقرار الإقليمي وتعزيز الحوار في منطقة تشهد تحديات متزايدة.
جذور تاريخية وشراكة استراتيجية
تتجاوز العلاقات بين المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان مجرد الروابط الدبلوماسية لتغوص في عمق التاريخ المشترك والروابط الاجتماعية والثقافية المتجذرة. تعود العلاقات الدبلوماسية الرسمية إلى عام 1971، حين قام جلالة السلطان قابوس بن سعيد، طيب الله ثراه، بزيارته التاريخية الأولى خارج السلطنة إلى المملكة، حيث التقى بالملك فيصل بن عبدالعزيز، طيب الله ثراه. هذا اللقاء وضع حجر الأساس لتعاون خالص وبناء يهدف إلى تحقيق الأمن والاستقرار لشعبي البلدين والمنطقة بأسرها. منذ ذلك الحين، شهدت هذه العلاقة تطورات ملموسة في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والاستثمارية والعسكرية والأمنية والإعلامية والثقافية، مدفوعة بتوجيهات القيادتين الرشيدتين، خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وجلالة السلطان هيثم بن طارق، وبمتابعة حثيثة من وزيري الخارجية في البلدين.
تنسيق سياسي مستمر ودعم للاستقرار الإقليمي
يؤكد السفير السعودي لدى سلطنة عُمان، إبراهيم بن سعد بن بيشان، في حواره مع «عكاظ»، على أن العلاقات السعودية–العُمانية في مرحلتها الراهنة هي علاقات استراتيجية راسخة ومستقرة ومتنامية، تتسم بالاحترام المتبادل والثقة. هذا التنسيق السياسي المستمر يتجسد في الزيارات المتبادلة رفيعة المستوى، مثل زيارة السلطان هيثم بن طارق إلى المملكة في يوليو 2021، وزيارة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز في ديسمبر 2021 وسبتمبر 2023. هذه الزيارات تعزز التنسيق المشترك على الصعيد الثنائي وضمن منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية والمحافل الإقليمية والدولية.
تضطلع المملكة والسلطنة بدور محوري في دعم الاستقرار الإقليمي وتعزيز الحوار، حيث تتطابق رؤاهما في السعي لنشر قيم الإخاء الخليجي والعربي. تبرز جهودهما المقدرة في العديد من الملفات الإقليمية الشائكة، مثل القضية الفلسطينية، واليمن، وسورية، والسودان، ولبنان، والعراق، وليبيا. تقوم هذه الجهود على مبادئ حسن الجوار والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتهدئة الخلافات عبر القنوات الدبلوماسية. هذا النهج يقدم نموذجًا عمليًا لإدارة النزاعات ويسهم في تحقيق الأمن والسلم الدوليين في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
نمو اقتصادي وتكامل استثماري
تشهد العلاقات الاقتصادية بين البلدين نموًا ملموسًا وتكاملًا متزايدًا، مدفوعة بمبادرات اللجان المنبثقة عن مجلس التنسيق السعودي–العُماني. هذا المجلس، الذي يرأسه وزيرا الخارجية، يمثل الإطار الرئيسي لوضع الأطر الاستراتيجية للتعاون الاقتصادي وتحديد القطاعات ذات الأولوية، ومتابعة تنفيذ الاتفاقيات ومذكرات التفاهم. وقد تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين 26 مليار ريال سعودي خلال السنوات العشر الأخيرة، مع تسجيل واردات للمملكة من السلطنة بنحو 14.06 مليار ريال وصادرات سعودية إلى السلطنة بنحو 12.56 مليار ريال حتى أكتوبر 2025. كما بلغت الاستثمارات السعودية المباشرة في السلطنة 806 ملايين ريال سعودي، بينما وصلت الاستثمارات العُمانية المباشرة في المملكة إلى 1.013 مليار ريال سعودي.
تعد مجالات الطاقة المتجددة والنظيفة، والبتروكيماويات، وسلاسل الإمداد، والطرق والإنشاءات، والسياحة، والزراعة، والأسماك، من أبرز القطاعات المرشحة للنمو المستقبلي الواعد. هذه القطاعات تتماشى مع رؤية المملكة 2030 ورؤية عُمان 2040، اللتين تهدفان إلى تنويع مصادر الدخل وتحقيق التنمية المستدامة.
تسهيل حركة العبور وتعزيز السياحة
يُعد افتتاح منفذ الربع الخالي في 11 ديسمبر 2021، كأول منفذ بري مباشر بين البلدين، نقلة نوعية في تسهيل حركة العبور والتجارة. فقد سجل المنفذ عبور أكثر من 1.5 مليون مسافر من أكتوبر 2021 إلى ديسمبر 2025، مما يعكس الأهمية المتزايدة للربط البري. كما تسهم أكثر من 30 رحلة طيران أسبوعية بين البلدين في تعزيز التواصل. أصبحت سلطنة عُمان وجهة سياحية مفضلة للأسر السعودية، لما تتميز به من أصالة شعبية، وقيم اجتماعية، وموروث ثقافي، وطبيعة خلابة. وفي المقابل، تجذب الوجهات السياحية والمواسم الترفيهية المتنوعة في المملكة الأشقاء العُمانيين.
تولي السفارة السعودية في عُمان اهتمامًا كبيرًا بخدمة المواطنين السعوديين، سواء المقيمين الذين يبلغ عددهم نحو 1800 مواطن، أو السياح ورجال الأعمال، من خلال تقديم الخدمات اللازمة ورعاية مصالحهم.
دعوة للمستثمرين ورجال الأعمال
يوجه السفير رسالة لرجال الأعمال والمستثمرين السعوديين والعُمانيين، مؤكدًا على أن حكومتي البلدين أولتا القطاع الخاص اهتمامًا بالغًا كشريك حيوي. فقد تم توفير منظومة استثمارية متطورة عبر التسهيلات والحوافز والبنية التحتية المتقدمة، مما يتيح فرصًا نوعية في قطاعات متعددة. هذه البيئة الاستثمارية الآمنة والمستقرة، المدعومة بكوادر بشرية مؤهلة ودعم حكومي مباشر، تمثل فرصة اقتصادية قائمة على الثقة والاستدامة وتحقيق القيمة المضافة لجميع الأطراف. ويُشدد على أهمية الاستفادة القصوى من مجلس الأعمال السعودي–العُماني، الذي أُنشئ في ديسمبر 2021، ومن فرص الشراكة المتاحة في القطاعات الواعدة مستقبلاً.


