
الرياض، وارسو – في خطوة تؤكد عمق العلاقات الثنائية والحرص المشترك على تعزيزها، أكد صاحب السمو الأمير فيصل بن فرحان بن عبدالله، وزير الخارجية السعودي، ونظيره البولندي، عزم البلدين الصديقين على تطوير العمل المشترك في المجالات كافة. تأتي هذه التأكيدات في سياق زيارة رسمية لسمو وزير الخارجية إلى بولندا، حيث شهدت المباحثات الثنائية توقيع عدد من الاتفاقيات الهامة التي من شأنها أن تدفع بالعلاقات إلى آفاق أرحب، خاصة في ظل التطورات العالمية المتسارعة التي تتطلب تنسيقاً دولياً مستمراً.
تاريخياً، شهدت العلاقات السعودية البولندية نمواً مطرداً منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما. فالمملكة العربية السعودية، بقوتها الاقتصادية المتنامية ورؤيتها الطموحة 2030، تسعى لتنويع شراكاتها الاستراتيجية على مستوى العالم. في المقابل، تمثل بولندا، كدولة محورية في وسط أوروبا وعضو فاعل في الاتحاد الأوروبي، بوابة مهمة للمملكة نحو الأسواق الأوروبية، كما أنها شريك اقتصادي وسياسي ذو ثقل. هذه الخلفية المشتركة من الطموح التنموي والبحث عن الاستقرار العالمي تشكل أساساً متيناً للتعاون الحالي والمستقبلي.
خلال المؤتمر الصحفي الذي عقد على هامش الزيارة، سلط وزير الخارجية السعودي الضوء على أهمية استمرار التشاور وتكثيف الحوار البناء بين الرياض ووارسو، بهدف تعزيز التفاهم المشترك وتنسيق المواقف حيال القضايا الإقليمية والدولية. وقد تجسد هذا التوجه العملي بتوقيع مذكرة تفاهم لإنشاء مجلس تنسيق بين المملكة العربية السعودية وجمهورية بولندا، وهي آلية ستوفر إطاراً منظماً للحوار وتبادل الخبرات وتحديد فرص التعاون في مختلف القطاعات. كما تم توقيع اتفاقية الإعفاء المتبادل من التأشيرات لحاملي الجوازات الدبلوماسية والخاصة، مما يعكس مستوى الثقة المتبادلة ويسهل حركة الوفود الرسمية، ويدعم التواصل الدبلوماسي رفيع المستوى.
على الصعيد الاقتصادي، أشار سمو الأمير فيصل بن فرحان إلى الأرقام الواعدة في حجم التبادل التجاري بين البلدين. ففي العام 2024، بلغ حجم التبادل التجاري ما يقارب 12 مليار دولار، ومع نهاية الربع الثالث من العام الماضي 2025، وصل إلى نحو 8 مليارات دولار. هذه الأرقام تعكس إمكانات هائلة لزيادة التعاون الاقتصادي، حيث يتطلع البلدان إلى تعزيز هذا التبادل ليشمل قطاعات أوسع مثل الطاقة، التكنولوجيا، الزراعة، السياحة، والبنية التحتية، بما يتماشى مع أهداف رؤية المملكة 2030 وتنويع مصادر الدخل. هذا التعاون الاقتصادي لا يقتصر على التجارة فحسب، بل يمتد ليشمل فرص الاستثمار المشترك وتبادل الخبرات في مجالات الابتكار والتنمية المستدامة.
وفي سياق التعاون متعدد الأطراف، أعرب وزير الخارجية عن ترحيب المملكة بمستوى التنسيق القائم بين البلدين في المنظمات الدولية. وقد شملت المباحثات الثنائية العديد من الموضوعات والقضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، مما يؤكد الدور المتنامي لكل من السعودية وبولندا كفاعلين مؤثرين على الساحة العالمية. كما عبر سموه عن تثمين المملكة للتوافق القائم بين الرياض ووارسو حيال القضية الفلسطينية، ودعم مبدأ حل الدولتين وفق القوانين والقرارات الدولية ذات الصلة. هذا التوافق على قضية محورية يعزز من مصداقية الشراكة بين البلدين ويظهر التزامهما المشترك بالسلام والاستقرار الدوليين. إن تعميق هذه الشراكة الاستراتيجية بين المملكة وبولندا يمثل نموذجاً للتعاون البناء الذي يسهم في تحقيق المصالح المشتركة ويدعم الأمن والازدهار على المستويين الإقليمي والدولي.


