كشف تقرير حديث صادر عن مؤسسة مكافأة، وهي منصة متخصصة في تحليل البيانات، عن نمو متسارع وملحوظ في سوق المطاعم والمقاهي بالمملكة العربية السعودية، حيث بلغ حجم السوق ما يقارب 100 مليار ريال سعودي. هذا النمو، الذي يعكس حيوية القطاع، يأتي مصحوبًا بتحديات كبيرة تضغط على هوامش الربح، أبرزها الكثافة التنافسية العالية التي وصلت إلى 112 ألف منفذ بحلول عام 2024، وارتفاع عمولات تطبيقات التوصيل. وقد أدت هذه الضغوط إلى خروج ما يقارب 38% من المنشآت الجديدة من السوق خلال فترة وجيزة، وفقًا لما نشرته قناة “الإخبارية”.
السياق العام والتحولات الاقتصادية
لا يمكن فهم هذا النمو الديناميكي في قطاع المطاعم والمقاهي بمعزل عن الرؤية السعودية 2030 الطموحة، التي تهدف إلى تنويع مصادر الدخل الوطني وتقليل الاعتماد على النفط. فمنذ إطلاق الرؤية، شهدت المملكة تحولات اجتماعية واقتصادية جذرية، شملت تعزيز قطاعات الترفيه والسياحة وجودة الحياة. وقد أدى هذا التوجه إلى زيادة الإنفاق الاستهلاكي على الأنشطة الترفيهية وتناول الطعام خارج المنزل، مدفوعًا بتركيبة سكانية شابة ومتنامية تتمتع بقوة شرائية متزايدة وثقافة اجتماعية تقدر التجمعات في المطاعم والمقاهي.
كما ساهمت المشاريع العملاقة مثل نيوم، ومشروع البحر الأحمر، والقدية، في خلق بيئة جاذبة للاستثمار وتوفير فرص عمل جديدة، مما انعكس إيجابًا على الطلب على خدمات الضيافة والأطعمة والمشروبات. وقد شهدت المدن الرئيسية مثل الرياض وجدة نموًا عمرانيًا وسكانيًا كبيرًا، مما أدى إلى تركز كبير للمطاعم والمقاهي فيها، حيث تستضيف الرياض وحدها 18 ألف مطعم ومقهى، وجدة 12 ألفًا.
نمو قياسي وتحديات متزايدة
أبرز التقرير تحليلات مفصلة للسوق خلال الفترة من 2021 إلى 2024، مبينًا أن حجم السوق ارتفع من 80 مليار ريال إلى ما يقارب 100 مليار ريال، بمعدل نمو سنوي مركب بلغ حوالي 7%. وفي المقابل، تضاعف عدد المطاعم والمقاهي النشطة من 57 ألفًا في عام 2021 إلى أكثر من 112 ألفًا في عام 2024. هذا التوسع الهائل، وإن كان يعكس حيوية القطاع، إلا أنه تسبب في انخفاض متوسط الإيرادات لكل منفذ من 1.4 مليون ريال إلى أقل من 900 ألف ريال، مما يشير إلى تزايد حدة المنافسة.
تأثير تطبيقات التوصيل على الربحية
فيما يتعلق بالربحية وقنوات التوصيل، أوضح التقرير أن تطبيقات التوصيل أصبحت تمثل قناة بيع رئيسية، حيث تستحوذ على ما يصل إلى 40% من مبيعات مطاعم الوجبات السريعة. ومع ذلك، فإن العمولات المرتفعة التي تفرضها هذه التطبيقات في السعودية تشكل عبئًا كبيرًا على أصحاب الأعمال، خاصة المنشآت الصغيرة والمتوسطة. هذا الضغط على هوامش الربح، بالإضافة إلى المنافسة الشديدة، يفسر سبب خروج حوالي 38% من المطاعم والمقاهي التي افتتحت حديثًا خلال فترة الدراسة من السوق في غضون عام ونصف من بدء تشغيلها.
الآثار والتوقعات المستقبلية
إن تزايد عدد المنافذ بوتيرة تفوق نمو الطلب يفرض ضغوطًا حادة على المشغلين، لا سيما أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة، الذين يجدون صعوبة في الحفاظ على استدامتهم المالية. هذا الوضع قد يدفع نحو موجة من الاندماجات أو خروج المزيد من اللاعبين الأقل قدرة على المنافسة، مما قد يؤدي إلى ترسيخ مكانة العلامات التجارية الكبرى أو تلك التي تتبنى نماذج أعمال مبتكرة. من جهة أخرى، يشجع هذا التحدي على الابتكار في تقديم الخدمات وتجربة العملاء، والبحث عن حلول لخفض التكاليف أو زيادة الكفاءة التشغيلية.
على الصعيد الاقتصادي، يظل قطاع المطاعم والمقاهي مساهمًا رئيسيًا في توفير فرص العمل، خاصة للشباب السعودي، ويدعم جهود توطين الوظائف. كما أنه يعزز جاذبية المملكة كوجهة سياحية وترفيهية، مما يتماشى مع أهداف الرؤية 2030. ومع ذلك، يتطلب الأمر من أصحاب الأعمال والحكومة على حد سواء إيجاد حلول مستدامة للتخفيف من حدة التحديات، مثل دراسة تنظيم عمولات تطبيقات التوصيل أو تقديم برامج دعم للمنشآت الصغيرة والمتوسطة لضمان استمرارية نمو هذا القطاع الحيوي.


